03・08・2025
من العدد ٢٤
«اللَّطميَّاتُ العاشورائيَّةُ» بعد معركة «أولي البأس»
عَوْدٌ على الحزن والمظلومية

 

شكَّلتْ واقعةُ كربلاء (٦١هـ/ ٦٨٠م) حدَثًا مفصليًّا في التَّاريخ العربيِّ والإسلاميِّ كانَت له تداعياتُه على الواقعِ السِّياسيِّ آنذاك، وتُشكِّلُ أيضًا اللَّحظةَ التَّأسيسيَّةَ الثَّالثةَ للمذهبِ الشِّيعيِّ الإثنَيْ عشريِّ، بعدَ لحظتَيْ النُّبوَّةِ والإمامة. وكأيِّ واقعةٍ تاريخيَّةٍ بهذا الحجم، أدَّتْ عواملُ وأسبابٌ عدَّةٌ إلى تحويلِ كربلاء إلى أسطورةٍ[١] ثُمَّ إلى أسطورةٍ مُؤسِّسَةٍ. وإلى اليوم، يُحيي الشِّيعةُ ذكرى كربلاء في مناطقِ تواجدِهم، إذ تُشكِّلُ عاشوراءُ المُناسبةَ الأسمى عندَ أتباعِ المذهبِ الإثنَيْ عشري.

إحياءُ عاشوراءَ في لُبنان قديمٌ نسبيًّا، وبطبيعةِ الحال هو سابقٌ لتشكُّلِ الجُغرافيا اللُّبنانيَّةِ بحدودِها الحاليَّة، وبطبيعةِ الحال أيضًا لم يكن الإحياءُ على صورتِه التي هو عليها اليوم. في «الضَّاحيةِ»، مثلًا، كان إحياءُ عاشوراءَ يُقامُ في فترةِ السِّتِّيناتِ والسَّبعيناتِ في مَحلَّتيْن؛ في برج البراجنة عندَ آل السَّبع، وفي الغبيري عند آل الخنسا، وكان، ولم يزَل إلى يومِنا هذا، مجلسُ اليومِ العاشرِ من مُحرَّم، أو ما يُعرف بـ«المصرع الحُسيني» يُتلى في الكليَّة العامليَّة بحضور مثقَّفين وشخصيَّاتٍ من مُختلفِ الطَّوائف، بحسبِ ما يذكرُ بعضُ كِبارِ السِّنِّ ممَّن عايشَ تلكَ الفترة. وكانَتِ التِّلاوةُ تتضمَّنُ نوعًا من «النَّدبِ» والرِّثاءِ الذي كان مُتعارفًا أيضًا في حالات موتِ الأقاربِ حيثُ يندُبُ أهلُّ الميِّتِ ميِّتَهم ويرثونَه بالأشعارِ و«الرَّدِّيَّاتِ». والنَّدبُ، رغمَ خفوتِه، لكنَّه لم يزل موجودًا إلى اليوم، بخاصَّةٍ في قُرى بعلبكِ والجنوب وبين النِّساءِ تحديدًا. أمَّا «اللَّطمُ» فكانَ يُمارَس بصورةٍ عفويَّةٍ تنسجمُ مع مشاعرِ الحُزنِ والعزاء، ولم يكن بالصُّورةِ الحركيَّةِ والإيقاعيَّةِ التي هو عليها اليوم. ورغمَ أنَّ مشاركةَ رجال السِّياسةِ الشِّيعةِ في الإحياء، أو إقامتِهم له، لم يتحوَّلْ إحياءُ عاشوراءَ إلى مؤسَّسةٍ اجتماعيَّةٍ ومنظومةٍ سياسيَّةٍ إلَّا مع هيمنةِ ثُنائي «حزب الله» و«حركة أمل» على الواقع الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ للطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ في لُبنان، إذْ قبلَ ذلكَ كانت عاشوراءُ مناسبةً دينيَّةً واجتماعيَّةً أكثرَ منها مناسبةً سياسيَّةً.


[١]لفتًا لنظرِ القارئ، ثمَّة بين الأسطورةِ والخُرافةِ فوارقُ جوهريَّةٌ تُراجَعُ في مَظَانِّها.

مَأسَسَةُ عاشوراء: بين تغيير النِّظامِ وتثبيتِه

مع السَّيِّد موسى الصَّدر الذي أتى من إيران واستقرَّ في لبنان عام ١٩٥٩، ومع السَّيِّد محمَّد حسين فضل الله الذي عادَ إلى لبنان من النَّجف عام ١٩٦٦؛ معهما، اتَّخذتْ عاشوراء منحًى جديدًا جعلَ منها المناسبةَ الدِّينيَّةَ الوحيدةَ التي تُشكِّلُ منبرًا للتَّعبيرِ عن حالةِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ الوليدةِ آنذاك، بخاصَّةٍ أنَّ عاشوراءَ تحملُ منَ المعاني ما يتناسبُ مع شعاراتِ الصَّدر وأبرزُها «حركة المحرومين» التي صارتْ، مع «حزب الله» لاحقًا، حركة «المستضعَفين». رغمَ ذلكَ، لم تبدأ مأسَسَةُ عاشوراءَ فعليًا إلَّا بعدَ وصول الخُمينيِّ إلى حُكم إيران عام ١٩٧٩ وتأسيسِه لـ«حزب الله» في لُبنان عام ١٩٨٢. 

وبعدَ أنْ كانت عاشوراء منبرًا لـ«حزب الله» و«حركة أمل» لتوجيه الانتقادات وإظهار النَّقمةِ على النِّظامِ السِّياسيِّ الذي كان قائمًا في تلكَ الفترة، صارتْ عاشوراءُ اليوم منبرًا لتثبيت النِّظامِ الذي باتَ ثُنائي «حزب الله - حركة أمل» جزءًا منه.

وممَّا أنتجتْه مأسَسَةُ عاشوراء هو ما باتَ يُعرفُ بـ«اللَّطميَّات» التي يُمكنُ اعتبارُها، بصورةٍ أو بأُخرى، الوجهُ الجديدُ للأُغنيةِ السِّياسيَّةِ عندَ شيعةِ لُبنان، والتي تختلفُ عن الأناشيد التي لاقَتْ في بداياتِها «محاذيرَ شرعيَّةً» عند الحِزبَيْن الشِّيعيَّيْنِ[١]، لذلكَ إنَّ ما سيُعتمَدُ في هذا النَّصِّ تحت عُنوان اللَّطميَّات هو ما يترافقُ مع لطمِ الصُّدورِ.

لقد مرَّتْ اللَّطميَّاتُ في مراحلَ تأثَّرَتْ فيها بالمسار السِّياسيِّ للشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ في لُبنان، تأثُّرًا يمكنُ قراءتُه من خلال الكلمات، اللَّحن والإيقاع وغير ذلكَ من مكوِّناتِ اللَّطميَّة.


[١] راجع «شيعة لُبنان والأغنية السِّياسيَّة»، فان رقم ٤، العدد ١٦، ٣ كانون الأوَّل ٢٠٢٤، ص ٥-٨.

أوَّلُ اللَّطمِ: حزنٌ، غضبٌ و... جهادٌ!

ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ «حركة أمل» و«حزب الله»، كلاهُما حزبٌ شيعيٌّ يُشكِّلُ الدِّينُ رُكنًا أساسيًّا في رؤيتِه. لكن ثمَّةَ اختلافٌ جوهريٌّ بينهما في النَّظرةِ تجاه الدِّين؛ فـ«حركةُ أمل» تُركِّزُ على الجانب الاجتماعي من التَّشيُّعِ وتعتبرُ أنَّ مجالَها الحيويَّ هو الجُغرافيا الشيعيَّةُ ضمن الحدود اللُّبنانيَّةِ، من هنا كانت تُغطِّي هويَّتَها الشِّيعيَّةِ بالهويَّةِ الوطنيَّةِ اللُّبنانيَّة. في المُقابلِ، يُركِّزُ الحزبُ على الجانبِ العقائديِّ من التَّشيُّعِ ويحملُ نزعةً إقليميَّةً تتجاوزُ الجُغرافيا اللُّبنانيَّةَ، لذلكَ كانَ يُغطِّي هويَّتَه الشِّيعيَّةَ بالهويَّةِ الإسلاميَّةِ الأوسَع من الهويَّةِ الوطنيَّة. وقد انعكسَتْ الهويَّةُ الشِّيعيَّةُ، كما الهويَّةُ الوطنيَّة والإسلاميَّة، لديهما في أناشيدِهما كما في لطميَّاتِهما.

لطميَّاتُ «حزب الله» الأولى: مدرسةُ الرَّادود عساكري

مع دخول قوَّاتِ الحرسِ الثَّوريِّ الإيرانيِّ إلى منطقةِ بعلبكَ لتأسيسِ «حزب الله»، كانَ مع القادمينَ إلى بعلبك الرَّادودُ الإيرانيُّ أبو محمَّد عساكري، المعروف بـ«الرَّادود عساكري» أو «عساكري» اختصارًا. بحسب ما يذكرُه عساكري لمجلَّة «بقيَّة الله». كان مجيئُه إلى بعلبك، عام ١٩٨٣، بطلبٍ من السَّيِّد عبَّاس الموسويِّ الذي أصبَح لاحقًا أمينًا عامًّا لـ«حزب الله»[١]. في تلكَ الفترة، كان موقفُ الحزبِ الشَّرعيِّ متشدِّدًا في مسألةِ الموسيقى والأناشيد، أَخْذًا بفتوى الخُمينيِّ في هذه المسألة. وقد قامَ عساكري بتدريب مجموعةٍ من ٢٢ شابًّا على «إحياء المناسبات الدينيَّة»، وهذا ما يجعلُ من الرَّادود عساكري المؤسِّسَ لهذه المدرسة في اللَّطم، حيثُ ظهرَت معه ما باتَ يُعرفُ بـ«مجالس اللَّطم» التي كان يحضرُها عناصرُ «حزب الله». وفي طريقهم لتنفيذ عمليَّاتِهم ضدَّ الاحتلال «الإسرائيليِّ» أو ضدَّ ميليشيا لحد، كان عناصرُ الحزب يردِّدون لطميَّات عساكري مع لطم الصُّدور[٢]، بل إنَّ عساكري كان يُرافقُ بعضهم إلى أماكن العمليَّات لتشجيعهم. ويُضيفُ عساكري أنَّ بعض عناصر الحزب «كانوا يصارحونني بأنّهم ينتظرون نهايتها لكي يتوجّهوا إلى الميدان وينفّذوا ضرَباتهمضدّ العدوّ الإسرائيليّ بروحٍ ثوريّةٍ عالية»، ومن هؤلاء العناصر رضا حريري ومجموعةٌ معه نفَّذوا عمليَّة على موقع «تلَّة الحقبان» عند أطراف بلدة ياطر - بنت جبيل[٣]. من هنا يظهرُ دورُ اللَّطميَّاتِ الأساسيُّ وهو التَّعبئةُ والتَّجييشُ. وقد شكَّلتِ اللَّطميَّاتُ لُغةً جديدةً من لُغاتِ التَّواصلِ بين جمهور «حزب الله»، إذْ يعتبرُ أحدُ القادةِ العسكريين السابقين في «حزب الله» أنَّ «[اللطميات] كانت إحدى علامات التعرُّف إلى الشباب المؤمن»[٤]. وكانت هناك لطميَّات تُتلى في تشييع قيادات «حزب الله» مثل: «أين راغب حرب أين»، «مشغرة أين سهيل رحل» وسُهيل هو القائد العسكري في «حزب الله» أبو حسن بجيجي، وهو صاحب شعار «يا قدس إنَّا قادمون»، وغير ذلك من اللَّطميات ذات الطَّابع الرِّثائي الحزين.

لطمية «ضاحية أين بو رامي رحل؟»، الرادود صادق زعيتر: 

أمَّا الدَّورُ الثَّاني للَّطميَّات فهو نوعٌ منَ «التَّثقيف السِّياسيِّ - الدِّيني» الذي يُقدِّمُ رؤيةَ «حزب الله» السياسيَّة لنفسِه وللآخر. ويُمكن، من خلال تحليل كلمات اللَّطميَّات وإيقاعها، معرفةُ الفترة والواقع السياسيَّيْن التي تُليَتْ فيهما.

 في فترة «حزب الله» الأولى ركَّزتْ لطميَّاتُه على تعبئة الشِّيعةِ واستنهاضِهم للـ«جهاد»، تحتَ رايةِ «الثَّورةِ الإسلاميَّةِ» والخُميني، في معركةٍ دينيَّةٍ ضدَّ «الطُّغاة» و«المُستكبِرين» و«اليهود». وقد قدَّمتْ لطميَّاتُ عساكري صورتَيْن تُشكِّلان محورَ العقيدةِ السِّياسيَّةِ لحزب الله:

 

الجهادُ المُثنَّى: جهادُ الدَّاخل والخارج

يُعدُّ «الجِهادُ» أحدَ أهمِّ المفاهم التي ركَّزتْ عليها لطميَّاتُ عساكري، بخاصَّةٍ في لطميَّتَيْ «الجهادَ الجهادَ» و«يا عاشقَ الجهادِ». وثمَّةَ في اللَّطميَّةِ الأولى دعوةٌ إلى «الجهاد» دونَ تحديدٍ واضحٍ لطبيعةِ هذا العدوِّ المُجاهَدِ؛ هل هو داخليٌّ أم خارجيٌّ؟ 

تبدأُ اللَّطميَّةُ بـ«الجهادَ الجهادَ»، أي بالدَّعوةِ إلى الجهادِ واستنهاضِ «المستضعَفين» من أجله لأنَّه قد «ولَّى يومُ الرُّقاد فيا مُستضعَفين حيَّ على الجهاد». وهذا المقطعُ يعكسُ اعتراضَ «حزب الله» على كُلِّ ما كان قبلَه معتبرًا أنَّ ما قبلَه لم يكن سوى «يوم رُقاد». والآن، مع «حزب الله»، قد انتهى هذا اليومُ وبدأ يومُ «الجهاد». وهي نظرةٌ لم تُفارقْ «حزب الله» منذ نشأتِه وحتَّى اليوم، إذ لم يزل يتعاطى مع التَّاريخ كأنَّما بدأ من تاريخ نشأته. وهذه النَّظرةُ يتشاركُ فيها «حزب الله» مع أيِّ تنظيمٍ جهاديٍّ وعقائديٍّ. 

«الجهاد الجهاد»، عساكري: 

تحملُ اللَّطميَّةُ مفاهيم تصلحُ للتَّجييش الدَّاخلي والخارجي على حدٍّ سواء؛ «نحملُ السِّلاح في وجه الظَّالمين»، «قُدُّوا من الأرض ريشة المُفسدين واطردوا الغاصبين وحرِّروا البلاد»، «وضدَّ الظالمين نعلنُ الانقلاب»، «سنحمي المسلمين من كيْد الحاقدين نصرعُ البغي ونذلُّ الكافرين»، «نُهلِكُ المشركين ورموزَ الفساد». صحيحٌ أنَّ المعنيَّ الأوَّل بهذه الكلمات هو «إسرائيل»، لكنَّ مفاهيم مثل «الفساد»، «الكافرين»، «المشركين» و«المسلمين» هي مفاهيمٌ تحملُ أبعادًا تتجاوزُ «إسرائيل»، إذْ إنَّها مفاهيمٌ لها مصداقية داخليَّةٌ أيضًا، من وجهةِ نظر الحزب طبعًا. بخاصَّةٍ إذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ نشوءَ «حزب الله» كان في فترةٍ بدأتِ الحربُ الأهليَّةُ فيها تأخذُ طابعًا إسلاميًّا مسيحيَّا. وها هو عساكري يُكملُ لطميَّتَه بقولِه «هيَّا انهضوا لنُحطِّم الصَّنم (...) ضدَّ الطُّغاةِ وكُلَّ من ظلم». وقد يعودُ هذا إلى تأثُّرِ «حزب الله» وحركة الخميني في إيران بـ«الإخوان المسلمين»، وتحديدًا بنظريَّة «جاهليَّةِ المُجتمعات» التي نظَّرَ لها سيِّد قُطب. إضافةً إلى تبنِّي «حزب الله» فكرة جعل لُبنان جمهوريَّة إسلاميَّة على غرار نظام الحُكم الجديد في إيران، وهو ما ظهَر في عدَّة لطميَّات أبرزُها: «هذه لُبنان ثارت في خُطى إيران سارت والحدودُ قد تهاوت» في لطميَّة «أين موسى الصدر أين» التي قدَّمها عساكري أيضًا. والجِهادُ هُنا شكَّل أوَّل مشروعٍ خارجيٍّ للشِّيعةِ في لُبنان من أجل مصالح إيران وسياستِها في مواجهة الولايات المُتَّحدة الأميركية، إذ إنَّ الخطاب السِّياسي لـ«حزب الله» كان دائمًا يدعو إلى الجهاد ضدَّها، وقد تُرجم هذا في العمليَّات الانتحاريَّة التي استهدفت القوَّات الأميركيَّة في بيروت وأيضًا في قضيَّة الرَّهائن التي كانت إيران تفاوض الأميركيين عليها.


[١] «في درب الحسين نعشق الشهادة»، لطيفة الحسيني، موقع مجلة بقيَّة الله الإلكتروني، ٣٠ آب ٢٠١٩، تاريخ الدُّخول: ٠٥ تمُّوز ٢٠٢٥، السَّاعة ٠٩:٣٥.

[٢] رضا حريري، «الأغاني السياسية»، أناشيد «حزب الله»... من «أمّاه إنّي راحل» إلى «أمريكا مصاصة دم»، السفير، ٠٣ شباط ٢٠١٦، العدد ١٣٢٨٤، ص ٨.

[٣] «في درب الحسين نعشق الشهادة»، لطيفة الحسيني، موقع مجلة «بقيَّة الله» الإلكتروني، ٣٠ آب ٢٠١٩، تاريخ الدُّخول: ٥ تمُّوز ٢٠٢٥، السَّاعة ٠٩:٣٥.

[٤] «في درب الحسين نعشق الشهادة»، لطيفة الحسيني، موقع مجلة «بقيَّة الله» الإلكتروني، ٣٠ آب ٢٠١٩، تاريخ الدُّخول: ٥ تمُّوز ٢٠٢٥، السَّاعة ٠٩:٣٥.

«أمَّةُ حزب الله»: من كربلاء إلى طهران

يظهرُ الارتباطُ البُنيويُّ بين إيران و«حزب الله» في معظم لطميَّات عساكري التي لاقت انتشارًا واسعًا. فإضافةً إلى ما ذُكرَ في لطميَّة «أين موسى الصَّدر أين»، تضمُّ لطميَّاتُ عساكري دمجًا لـ«حزب الله» بإيران، ودمجًا لهما بكربلاء في صورةٍ تُظهرُ «الثَّورةَ الإسلاميَّةَ» كامتدادٍ لـ«الثَّورةِ الحُسينيَّة» في كربلاء. وهذا النَّوعُ من إسقاطِ المُقدَّسِ على الذَّاتِ لم يزل موجودًا أيضًا إلى اليوم. 

في لطميَّةِ «الجهاد الجهاد» يظهرُ الانتماءُ لحركةِ الخُميني واضحًا: «فينا الخُميني صاح نحملُ السِّلاح في وجه الظَّالمين». أمَّا الإسقاطُ لكربلاءِ على «الثَّورةِ الإسلاميَّة» فيظهرُ جليًّا في الكثير من اللَّطميَّات؛ في «يا عاشق الجهاد» يقولُ عساكري: «يا عاشق الجهادِ في كربلاءِ ميدون قد أرعبتَ الأعادي (...) يا ناصر الحُسينِ بالقلب واليدينِ بايَعتَ بالدِّماء بمُهجةِ الفداءِ روحَ الله الخُميني في ساحاتِ الجهادِ». وثمَّة لطميَّتَيْن أيضًا تُشبِّهان معركة ميدون بكربلاء: «ميدون أضحت كربلاء»، «ميدون يا كربلا فيكِ عرس الشهداء». أمَّا اللَّطميَّاتُ التي تعكسُ ارتباطَ «أمَّة حزب الله» بإيران، وبقيادة الخُميني، فهي أكثرُ من أن تُحصى، وأشهرُها: «في درب الحُسين نعشقُ الشهادة بايَعنا الخُميني لأمر القيادة»، «يا أبا عبد الله نحن أمة حزب الله في نهج الخميني نمضي في سبيل الله»...

«يا عاشق الجهاد»، عساكري:

«أين موسى الصدر أين؟»، عساكري: 

لم يكن عساكري الرَّادود الوحيد في تلك الفترة، بل كان الرَّادود الشَّابُ حينها صادق زعيتر أيضًا، من ضمن الرَّواديد الذين يتلون اللَّطميَّات، لكن من وحي مدرسة عساكري الذي خفتَ نجمُه بعدَ ذلكَ، إلَّا أنَّ بعضَ لطميَّاتِه لم تزل حاضرةً إلى اليوم في بيئة «حزب الله».

لطميَّات «حركة أمل»: هويَّةٌ، امتدادٌ و.. عودة الصَّدر!

قبل نشوء «حزب الله» لم تكن «حركة أمل» بحاجةٍ إلى إبراز هويَّتِها الشِّيعيَّةِ بوضوحٍ كما صارت الحاجةُ إلى ذلك مُلحَّةً بعدَ وجود مُنافسٍ شيعيٍّ جديدٍ لها. في فترةِ وجودِ الصَّدرِ على رأس الحركة، لم يكن ثمَّةَ أناشيدٌ ولا لطميَّاتٌ أيضًا. فبحسب أبو علي[١]، لم يكن تنظيمُ «حركةِ أمل» وهيكليَّتُها التَّنظيميَّة في فترة الصَّدر مُكتملةً إلى الحدِّ الذي يمكِّنُها من مأسَسةِ الأناشيد واللَّطميَّات. لكنَّ بروزَ «حزب الله» استدعى من «حركة أمل» مجاراتِه في أدوات الاستقطاب والتَّعبئةِ من موقعِ المُنافسةِ على السَّاحةِ الشِّيعيَّةِ والنُّفوذِ السِّياسيِّ والدينيِّ - الثَّقافيِّ فيها. فإضافةً إلى إبراز الهويَّةِ الشِّيعيَّةِ للحركة في لطميَّاتٍ مثل «يا أبا عبد الله أملٌ بنصر الله»، وهي العبارةُ التي تُستعملُ في أدبيَّاتِ «أمل» ووثائقها الرسميَّة وحتَّى إيصالات الخوَّات والضَّرائب التي كانت تفرضُها الحركةُ في فترة الحرب، كغيرِها من الأحزاب: «وأملٌ بنصر الله وعودة الإمام ورفيقيه». ويُضيفُ أبو علي أنَّ اللَّطميَّات كانتْ بالدَّرجةِ الأساس لأغراضِ الرِّثاء: «لمَّا حدا يموت بيعملوا له لطميَّة». 

«يا أبا عبد الله»، حسن علامة: 

في حرب الإخوة مثلًا، تُليتْ لطميَّة «يا عامل لما الحزنُ قد بدا»، والتي تتحدَّثُ عن القادة الثَّلاثة الذين يُتَّهمُ «حزب الله» باغتيالهم، داود داود وحسن سبيتي ومحمود فقيه، إضافةً إلى محمَّد حمود، فتقول اللَّطمية: «يا عامل بالله أين داود بالله أين حسن ومحمود يا عامل أين بو علي حمود (...) إبكِهِ قضى مظلومًا وحيد مضرجًا لكربلاء يُعيد»، وهي على لحن «يا مشغرة أين سهيل رحل»؛ ولطميَّة «أمل المحرومين تاج المُستضعفين» وهي على لحن وإيقاع «الجهاد الجهاد». إضافةً إلى استعمال لطميَّة «أين راغب حرب أين» لعساكري، إذْ إنَّ الخلاف في نسْب الشَّيخ راغب حرب إلى «حركة أمل» و«حزب الله» قائمٌ إلى اليوم. من هنا نرى أنَّ «حركة أمل» في لطميَّاتِها لم تخرجْ عن مدرسة عساكري وتُنشئ مدرسةً خاصَّةً بها إلَّا مُتأخِّرًا مع المنشد حسن علامة الذي قدَّم بعضَ اللّطميَّات التي أُدخلَ فيها صوتُ اللَّطمِ المُعدَّل عبر أجهزة التَّسجيل والتَّوزيع، فكانت لطميَّاتٌ عن موسى الصَّدر والحركة: «يا بن الحُسين متى اللقاء»، «لن ننسى شهداء أمل»، «عن حركة أمل بدافع»، «شيعة خُلقنا ومندورين تنكمِّل دربك يا حسين (...) حركة أمل ومعروفين». فتُظهرُ لطميَّاتُ «أمل» هويَّتَها الشِّيعيَّة وتعتبرُ الحركة امتدادًا لكربلاء دونَ أنْ يكونَ ذلكَ مُقدِّمةً لمشروعٍ إقليميٍّ على غرار «حزب الله».

«يا عامل لمَ الحزن قد بدا»:

«مشغرة أين سهيل رحل»: 

«أمل المحرومين تاج المستضعفين»: 

«لن ننسى شهداء أمل»: 

«عن حركة أمل بدافع»:


[١] عضو سابق في «حركة أمل».

لطميَّاتُ الرَّخاءِ الشِّيعيِّ: من الفولكلور والتُّراث إلى «الرَّابّ الحُسيني»

بعدَ نهايةِ الحربِ، وتحديدًا بعدَ العام ٢٠٠٠ دخلَتْ اللَّطميَّاتُ مرحلةً جديدةً، إذْ صارتْ بمُعظمِها لطميَّاتٌ عاشورائيَّةٌ صافية، بخاصَّةٍ مع انتشار لطميَّاتِ الرَّادود العراقي باسم الكربلائي الذي أنشأَ هو الآخر مدرسةً خاصَّةً بها في الأداء. في هذه الفترة انتشرت لطميَّاتٌ كـ: «أخاف من أعوفك»، «يا ريح الهاب»، «يُمَّه ذكريني»، وغير ذلك من اللَّطميَّاتِ التي لم تزل حاضرةً إلى اليوم بشدَّة، بخاصَّةٍ في المجالس العاشورائيَّة. وفي العموم، فإنَّ هذه اللَّطميَّاتُ لا تحملُ توجُّهًا سياسيًّا واضحًا، إذ إنَّ المدرسةَ العراقيَّةَ في إحياءِ عاشوراء، سواءٌ في الشِّعر أو اللَّطميَّات أو غير ذلك، تلتزمُ بعدمِ ذكرِ أيِّ شخصيَّةٍ غير أهل البيت والأئمَّةِ الشِّيعةِ في المجالس والأشعار واللَّطميَّات، على عكس المدرسةِ الإيرانيَّةِ التي كان عساكري من المؤسِّسين لها. وباتتْ مجالس العزاءِ في عاشوراء التي يُقيمُها «حزب الله» و«حركة أمل» تُختَمُ بـ«مجلس لطمٍ» يُحييه رادودٌ غيرُ القارئ، كما في مجالس «حزب الله» المركزيَّة في مجمَّع سيِّد الشهداء والتي يُحييها الشيخ علي سليم، أو يكونُ الرَّادودُ هو نفسَه القارئ كما في المجلس المركزي لـ«حركة أمل» الذي يُحييه السَّيِّد نصرات قشاقش.

«يمه ذكريني»:

«يا ريح الهاب»: 

«أخاف من أعوفك»:

 

وفي السَّنواتِ الخمس الأخيرة تقريبًا، خفُتَ وهجُ باسم الكربلائي في لُبنان وبدأتْ اللَّطميَّاتُ المُتأثِّرةُ بالإيقاعِ الإيراني تنتشرُ بشكلٍ واسعٍ، فباتتِ اللَّطميَّاتُ تتضمَّنُ الموسيقى والإيقاع السَّريع والصَّاخب. وأشهرُ هذه الإيقاعات هو ما يُعرفُ بـ«البندريَّة»، وهي منتشرة في مناطق جنوب إيران. وقد أثَّرَ في هذه المدرسةِ رواديد إيرانيُّون مثل محمود كريمي الذي انتشرتْ له في لُبنان لطميَّتَيْن باللُّغةِ الفارسيَّةِ هما: «حيدر حيدر» عام ٢٠٢٢، «عجب سروى» عام ٢٠٢٤، وهما لطميَّتان تتميَّزان بالإيقاع الصَّاخب والحماسي. إضافةً إلى لطميَّات رضا ناريماني، صادق آهنگران، مُجتبى رمضاني. 

«عجب سروى»:

«حيدر حيدر»: 

كما انتشرَت منذ حوالى ثلاث أربع سنوات لطميَّاتُ الرَّادود «سيِّد محمد الحسيني». لا توجد معلومة دقيقة عن جنسيَّتِه، لكنَّ لهجته العربيَّة توحي بأنَّه إيرانيُّ الجنسيَّة أو أنَّه عاش فتراته الأولى في إيران. وقد انتشرت له لطميَّات تتضمّن الإيقاع القريب من البندريَّة: «موعود إلك»، «ها هو القاسم» و«ومضى للحرب فتًى»؛ الأولى تتحدَّثُ عن العبَّاس بن عليٍّ، الثَّانية عن القاسم بن الحسن بن عليٍّ، والثَّالثة عن عليٍّ الأكبر بن الحُسين، والثَّلاثةُ يحظَوْنَ بأهميَّةٍ كبيرةٍ لدى الشِّيعةِ الذين يُخصِّصونَ مجلسَ اللَّيلةِ السَّابعةِ للعبَّاس، الثَّامنةِ للقاسمِ والتَّاسعةِ لعلي الأكبر. 

«موعود إلك»:

«ها هو القاسم»: 

«ومضى للحرب فتًى»: 

لم ينتشرْ النَّوعُ المعروفُ بـ«الرَّابّ الحُسيني» في لُبنان إلَّا قليلًا بين الشَّبابِ العشرينيِّ، وإنَّما اللَّطميَّاتُ التي انتشرتْ بشكلٍ واسعٍ هي «البندريَّةُ» أو ما هو قريبٌ من إيقاعها. إضافةً إلى لطميَّات الحُسيني، برزت لطميَّاتٌ مثل: «هلا بحسين الثَّاني» التي تتحدَّثُ عن مسلم بن عقيل وغيرها. وعلى العُموم، يُمكنُ اعتبارُ الفترة المُمتدَّةِ بين انتهاء الحرب الأهليَّةِ وبدايةِ «حرب الإسناد» في ٨ تشرين الأوَّل ٢٠٢٤ فترةَ تفرُّغٍ وتفنُّنٍ في اللَّطميَّاتِ العاشورائيَّةِ البحتةِ، على أنَّ معظمها كان مستورَدًا من العراق ثمَّ من إيران، إذْ إنَّ «حزب الله» و«حركة أمل» صارَ لديهما التَّوجُّهُ إلى الأناشيد والأغاني أكثر من توجُّههما إلى اللَّطميَّات. ورغمَ أنَّ حربَ «حزب الله» في سوريا أعادَتْ كربلاءَ إلى خطابِه السِّياسيِّ بعدَ أن خفُتَ حضورُها خلال انشغالِه بالسِّياسةِ الدَّاخليَّةِ اللُّبنانيَّةِ، لكنَّ عودةَ كربلاءَ لم تظهر في اللَّطميَّات، إذ لم تتناولِ اللَّطميَّاتُ حربَه في سوريا، وإنَّما اكتفى بالأناشيد والأغاني، باستثناء اللَّطميَّاتِ القديمةِ التي كانتْ تُتلى أثناءَ تشييع عناصرِه في تلك الفترة.

«هلا بحسين الثاني»:

لطميَّاتُ «حرب الإسناد»: عَوْدٌ على الحُزن!

شكَّلتْ حربُ «الإسناد» التي دخلَها «حزبُ الله» ضدَّ «إسرائيل» في ٨ تشرين الأوَّل ٢٠٢٣، وتوسَّعتْ في ٢٣ أيلول ٢٠٢٤، كارثةً حقيقيَّةً على الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ في لُبنان. وفي الواقعِ، يُمكنُ توصيفُ مسار هذه الحرب المُستمرَّةِ، من طرفٍ واحدٍ، إلى اليومِ بأنَّها رحلةُ «حزب الله» الأخيرةِ من الآمالِ إلى الآلام. وقد انعكستْ هذه الرِّحلةُ الدَّاميةُ على لطميَّاتِ «حزب الله» و«حركةِ أمل» التي صارتْ مُتشاركةً إلى حدٍّ كبير.

وحدةُ اللَّطميَّاتِ: تشاركُ المُصابِ والمسارِ والمصير!

شهدتْ فترةُ «حربِ الإسناد» انتشارًا للطميَّاتِ العاشورائيَّةِ نفسِها بين أنصارِ «حزب الله» و«أمل»، بخاصَّةٍ بعدَ سقوطِ العديد من عناصر «حركة أمل» و«كشَّافةِ الرِّسالةِ الإسلاميَّةِ» في الحرب. كما شهِدتِ الحربُ بروزَ رواديدَ لُبنانيِّينَ، أبرزُهم الشَّابَّيْن: حسين خير الدِّين، ويوسف سعد العاملي. مع فارقٍ وحيدٍ كانَ يبرزُ في التَّشييعاتِ التي كان يُقيمُها «حزب الله» قبلَ توسُّعِ الحرب في ٢٣ أيلول وبعدَ "انتهائها» من طرفِه في ٢٧ تشرين الثَّاني من العام نفسِه؛ حيثُ كانتْ تُرَدَّدُ لطميَّاتُ العهدِ الأوَّلِ لـ«حزب الله» مثل: «في درْبِ الحُسين نعشقُ الشَّهادة»، «يا أبا عبد الله نحن أمَّة حزب الله»، «يا عاشق الجهادِ» وغير ذلك من اللَّطميَّات.

«في درب الحسين»، حسن حرب: 

«يا أبا عبد الله نحن أمة حزب الله»:

 

لطميَّةُ «في درب فاطمة»، ذاتِ الإيقاعِ الحماسيِّ القريبِ إلى البندريَّة وهي من أداء حسين خير الدِّين وكلمات «بنت الهدى الصغرى»، الصَّادرة في تشرين الأوَّل ٢٠٢٣، أي بعدَ شهرٍ تقريبًا من بدايةِ «حرب الإسناد»، تحملُ صورًا من الآمال بهزيمةِ «حزب الله» لـ«إسرائيل»، وهذا يعكسُ الصُّورةَ التي كانت موجودة عن الحزبِ لدى أنصارِه. وتحملُ أيضًا رمزيَّاتٍ كثيرةٍ ودلالاتٍ واضحةٍ على الهويَّةِ الإسلاميَّةِ الشِّيعيَّةِ للمُقاتلينَ وللحربِ نفسِها. فبحسبِ اللَّطميَّةِ، ينطلقُ عناصرُ «حزب الله» «نحو الوغى» من بابِ فاطمةَ بنت النَّبيِّ التي «تُعطيهمُ بالحب تسبيحاتها حِرزًا». وتُبيِّنُ اللَّطميَّةُ الطَّبيعةَ الدِّينيَّةَ للمعركة، كما في «وعلى اسمِها [اسمِ فاطمة] نمضي لننصرَ غُربة الإسلام»، وفي «وإنَّ الموتَ أوْلى من ركوب العار» وهذه العبارةُ جُزءٌ من كلام الحُسين بن عليٍّ قبلَ نزولِه إلى المعركة في كربلاء. واللَّطميَّةُ مليئةٌ بالعباراتِ التي تُظهرُ عناصرَ الحزبِ بصورةِ المُسلمينَ الأوائلِ كمقطعِ «أهل الولاية والهوى والحق والعدل ولهم دويٌّ في صلاتهمُ كما النَّحلِ فهم ليوث في الضُحى الرهبان في الليل». أمَّا المقطعُ القائلُ «وشعارهم هيْهاتَ واللهِ من الذلّ ويا لثارات الحسين وحيث قالوها فعلى الجبال همُ إذا حملوا أزالوها وكأنَّها زُبُرُ الحديد قلبوهم في الحرب وأمامَهم في الدَّربِ إنْ ساروا يسيرُ الرُّعب» فهي وصفٌ لأنصارِ المهديِّ عندَ ظهورِه بحسبِ العقيدةِ الشِّيعيَّةِ[١]. ثُمَّ يأتي المقطعُ ذو الانتشارِ الأوسعِ بين جمهورَيْ الحزب والحركة، بخاصَّةٍ في الفترةِ الأولى من الحرب، والذي يقولُ: «لملِمْ جيوشَك خائبًا يا أيها المحتلّ جئنا لنُرعبكم بطيف عمادِنا الأوّل»، ويُحتملُ أنَّ «عمادِنا الأوَّل» هو القائد العسكري عماد مغنيَّة. وتؤكِّدُ اللَّطميَّةُ الارتباطَ بإيران في عبارة «أحرار في الدُّنيا وعندَ وليِّنا سادة»، وهي مُستوحاة من كلام سابقٍ للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله الذي قال: «نحن سادةٌ عندَ الوليِّ الفقيه».

«في درب فاطمة»:

إضافةً إليها انتشرتْ لطميَّةُ «يا قدس إنَّا قادمون»، ليوسف سعد العاملي، في شباط ٢٠٢٤. وأيضًا تحتوي على الآمالِ الكبيرةِ بتحقيق شعار «إزالة إسرائيل من الوجود» كما نرى في المقطع التالي: «سنُزيل إسرائيل حتمًا سنحوِّلُ البُنيانَ ردمًا سنُحطِّمُ الطُّغيان حَطْمًا (...) نحنُ الذين جنودُنا خير الجنود مِن بأسهم فرّوا صهاينةُ اليهود نحنُ العباد ونحن من جاسوا الدِّيار نعلوا على ما قد علَوْا مثل الأسود (...) سنُزيلُ بيت العنكبوت وكيانهم حتمًا يموت وسيهربون إلى اليُخوت»، وهذه تحملُ إشارةً واضحةً إلى الآياتِ القُرآنيَّةِ التي يُفسِّرُها مُعظمُ المسلمين بأنَّها حديثٌ عن زوال «إسرائيل». وفي العُموم إنَّ أغلبَ اللَّطميَّاتِ في بدايةِ الحربِ كانتْ ذا إيقاعٍ حماسيٍّ وكلماتٍ تحملُ الكثيرَ من الآمالِ والأحلامِ بقدرِ ما تحملُه من أوهامٍ وشعورٍ بالقوَّة لطميَّة «نصرٌ من الله وفتحٌ قريب» للرَّادودِ العراقيِّ مُجتبى الكعبي، ولطميَّة «على طريق القدس» ليوسف سعد العاملي وعلي فارس، وعُنوانُها هو الشِّعارُ الذي كان الحزبُ يَنعى عناصرَه تحتَه.

«يا قدس إنا قادمون»: 

«نصر من الله وفتح قريب»: 


[١] راجع: «بحار الأنوار»، المجلسي، الجزء ٥٢، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ص ٣٠٨.

لطميَّاتُ ذروةِ الحربِ: جنوبُ لبنانَ كربلاءُ ثانيةٌ!

معَ اشتدادِ قساوةِ الحربِ على الجنوبِ و«حزب الله»، وقبلَ توسُّعِها في ٢٣ أيلول، بدأتِ اللَّطميَّاتُ تأخذُ منحًى أكثرَ حُزنًا من حيثُ الكلماتِ وأكثرُ هدوءًا من حيثُ الإيقاع. وأشهرُ هذه اللَّطميَّاتِ هي لطميَّةُ «الجنوبُ يتلو المأتم» التي صدَرت في حزيران ٢٠٢٤ قبل أيَّامٍ من عاشوراء، لحسين خير الدِّين نفسِه وكلمات بنت الهُدى الصُّغرى نفسِها، التي تتميَّزُ بإيقاعٍ حزينٍ. أمَّا كلماتُها فتُصوِّرُ جنوبَ لُبنان بأنَّه طريقٌ نحو كربلاء. نرى الحُزنَ والمصائبَ موجودةً منذ بدايةِ اللَّطميَّة حتى نهايتِها، وفي إسقاطٌ وشيءٌ من المُماهاةِ بين كربلاء وجنوب لُبنان، كما في المقاطع التَّالية: «ها توضأت بلادي بالدم والعزاء في ثراها خيَّم حيث كان كل يوم عاشوراء ها هو الجنوب يتلو المأتم»، «لا مثل غيره هذا العام دمُ دموع غربة أيتام»، «إن مرَرت في ثَرانا تلقّى نحو كربلاء طريقٌ يُطوى عن كل أكبرٍ هوًى يُحكى لمَّا مضى وأهلَه أبكى» وهذا استحضارٌ لنزولِ عليٍّ الأكبر بن الحُسين إلى المعركةِ وتوديعِه لأهل بيت الحُسين، «وهُناك حيث فاح الدخان حدَّثت عنِ الخيام الجُدران» في استحضارٍ لحادثةِ حرق خيامِ أهل الحُسين في كربلاء وتشبيه مشهد دخان القصف في الجنوب بذلك المشهد. إضافةً إلى لطميَّاتٍ ظهرت في عاشوراء ٢٠٢٤ مثل: «بالشُّهداء لبيك يا حُسين» التي تُعدُّ الأشهر لذلك العام. وقد صارَ أشبه بالوَسْمِ أنْ يرفعَ أحدُ ذوي الشُّهداء صورةَ شهيدِه مُرفقةً بعبارةٍ مثل: «بأخي الشهيد لبيك»، «بأبي الشهيد لبيك». 

«الجنوب يتلو المأتم»: 

«بالشهداء لبيك يا حسين»: 

بعدَ توسُّعِ الحربِ في ٢٣ أيلول استمرَّتْ اللَّطميَّاتُ في أخذِ المنحى الحزين. نرى ذلكَ في «طريقُنا سنعبرُه» في تشرين الأوَّل ٢٠٢٤ لحسين خير الدِّين، ولطميَّة «للحرب مضى شُبَّان» ليوسف سعد في آذار ٢٠٢٥. تُصوِّرُ «للحرب مضى شُبَّان»، وهي على إيقاع «للحرب مضى فتًى» للرَّادود محمد الحسيني، الأهوالَ التي كانتْ في معركة الجنوب بعدَ توسُّعِ الحرب، وتصف الشُّهداء بأنَّهم «فازوا بالتَّمهيد» للمهديِّ، وتحملُ تشبيهاتٍ واضحةٍ بمعركة كربلاء وبشخصيَّاتِها. نرى مثلًا: تشبيههم بالعبَّاس في عبارة «لبسوا ثوبَ أبي الفضل»؛ تشبيههم بالإمام علي في معركة الخندق في عبارة «برزوا وكأنَّ بهم برزَ الإيمان» وهي مستوحاة من عبارة النَّبيِّ محمَّد عن الإمام علي حين برَز لقتل عمرو بن عبد ودّ العامري: «برز الإيمان كله للشرك كله»؛ تشبيه أمهَّات الشُّهداء بزينب في عبارة «وهنا أمٌّ قالت والابن مضى أرضَيتَ إلهي خذ حتَّى ترضى ذا صدرُ ابني كحُسين قد رُضَّ خُذه حتَّى ترضى»؛ ثمَّ تُشبِّهُ اللَّطميَّةُ أرضَ الجنوبِ بـ«أرض البقيع» ويُقصدُ بها مقبرةُ البقيع في المدينةِ المنوَّرة، وهي تحظى بقدسيَّةٍ عندَ الشِّيعةِ لأنَّ أربعةً من الأئمَّةِ قد دُفِنوا فيها: الحسين بن علي، علي بن الحسين، محمد الباقر وجعفر الصَّادق. كما نرى هذه التَّشبيهات في لطميَّة «بالشُّهداء لبيك يا حسين»، حيثُ يُشبَّهُ الشُّهداءُ بعليٍّ الأكبر في عبارة: «البعضُ أشلاءً أتى إذْ قطَّعوه واسى الذي فوق الحصير جمَّعوهُ»؛ وبالحُسين نفسِه في «والبعضُ دونَ رأسِه مذ أحضروهُ واسى ذبيحًا شيبُه قد خضَّبوهُ» أو في عبارة «يا فاطمٌ قومي إلى أبهى شبابِ ولْتجمعي أوصالَهم عن الترابِ كما جمَعت جسم مسلوب الثيابِ فإنَّهم واسوا حسينًا بالمُصابِ».

«للحرب مضى شبّان»: 

اغتيالُ «حسين العصر»: عَوْدٌ على كربلاء!

شكَّلَ اغتيالُ السَّيِّد نصر الله صدمةً كبيرةً لمُحبِّيه. وقد انتشرتْ في الأيَّامِ الأولى لاغتيالِه لطميَّةٌ للرَّادود العراقي باسم الكربلائي، وبالتَّحديد المقطع الأوَّل منها والذي يقولُ: «يتامى يا علي باچر يتامى»، مُرفقًا بصوَرٍ لنصر الله عقب تأكيد اغتيالِه في ٢٨ أيلول ٢٠٢٤. بيدَ أنَّ الفترة بين إعلان اغتيالِه وليلةِ التَّشييع لم تشهد الإسقاط التَّاريخي لشخصيَّةِ الحُسين وأحداث كربلاء على شخصيَّةِ نصر الله و«حرب الإسناد»، ربَّما لأنَّ كثيرٌ من أنصارِ الحزب لم يُصدِّقوا خبر الاغتيال. في هذه الفترة أدَّى المنشد حسن حرب لطميَّة «ضاحية أين بو هادي رحل» على لحن لطميَّة «مشغرة أين بو رامي رحل» التي كانت مع بدايات «حزب الله». وكذلكَ استُعيدَتْ لطميَّة «أين راغب حرب أين؟» بعدَ الاغتيال، حيثُ نشرَ الرَّادود حسين خير الدِّين لطميَّةً جديدةً في تشرين الثاني ٢٠٢٤ بعُنوان: «أين نصرُ الله أين؟». لا تختلفُ كلماتُ اللَّطميَّةِ الجديدةِ عن تلكَ القديمة، بيدَ أنَّ المُستمِعَ لها سيَلحَظُ تغيُّرًا في إيقاعِها، إذْ تتضمَّنُ اللَّطميَّةُ نوعًا من الموسيقى التَّصويريَّةِ التي تثُيرُ مشاعرَ الحُزنِ والرَّهبةِ في نفسِ المُستمِع، إضافةً إلى الأداءِ الهادئ والحزين، حتَّى أنَّه يجوزُ اعتبارُها من أكثرِ اللَّطميَّاتِ حُزنًا إذا قُورِنَتْ بسواها منَ اللَّطميَّاتِ التي تتناولُ شخصًا مُعيَّنًا. 

«أين نصر الله أين»: 

«ضاحية أين بو هادي رحل»:

في ليلةِ تشييع نصر الله بدأتْ عمليَّةُ الإسقاطِ التَّاريخيِّ لكربلاء، فانتشرتْ في ليلةِ التَّشييع قصيدةُ «يا ليل طوِّل ساعاتك» التي تتحدَّثُ عن حالِ زينب بنت عليِّ ليلةَ العاشرِ من محرَّم، وتُلقى عادةً في مجلس ليلةِ العاشر. وفي العُموم، كان للقصائد والأشعارِ واللَّطميَّاتِ التي تُتلى في المجالسِ العاشورائيَّةِ وَقْعٌ مُختلفٌ هذا العام، بخاصَّةٍ تلكَ التي تتحدَّثُ عن أصحاب الحُسين، العبَّاس، القاسم، علي الأكبر وزينب.

«يا ليل طوِّل ساعاتك»، أداء نصرات قشاقش:

اللَّطميَّاتُ في وظائفِها ودلالاتِها:

إذن، تلعبُ اللَّطميَّاتُ دورًا يتجاوزُ التَّعبيرَ عنِ الهويَّةِ الدِّينيَّةِ أو الدُّنيَويَّةِ، إذْ لعِبَتْ، ولم تزَل، دورَ الأغنيةِ السِّياسيَّةِ في مُجتمعِ «حزب الله» بالدَّرجةِ الأولى و«حركةِ أمل» بالدَّرجةِ الثَّانيةِ، رغمَ وجودِ الأغاني السياسيَّة والأناشيد عندهما. كما للَّطميَّاتِ، كما للأغنيةِ السِّياسيَّةِ، دورٌ مهمٌ في إعطاءِ صورةٍ عن طبيعةِ الحدَثِ الذي تتحدَّثُ عنه، وعن شكلِ المرحلةِ السِّياسيَّةِ التي يمرُّ بها الحزبانِ الشِّيعيَّانِ في لُبنان، و«حزب الله» في المنطقة. ومردُّ هذا إلى كَوْنِ كربلاءَ تُشكِّلُ الرُّكنَ التَّأسيسيَّ الأوَّل في العقيدةِ السياسيَّةِ الدِّينيَّةِ للشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ، لذا نرى أنَّ اللَّطميَّاتِ تسيرُ مع الواقعَيْن، الحقيقيِّ والمُتخيَّلِ على حدٍّ سواء!

مقالات مشابهة
22・04・2026
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن
فراس حمية
كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.
26・03・2026
شيعةُ «حزب الله» والهِجرةُ إلى التَّاريخ: سردية وبودكاست ووَعْدٌ بـ «نكبةٍ» جديدةٍ!
نجيب العطار
في خطٍّ موازٍ للهجرة الجماعية إلى التاريخ، التي نراها في مناسبات يغلب عليها البُعد الوجداني والعاطفي، نرى زيادةً في اهتمام مجتمع «حزب الله» بتاريخ الشِّيعة في لبنان، وهو اهتمامٌ كان موجودًا لكنَّه لم يكن ملحوظًا قبل الحرب الأخيرة.
20・03・2026
ذاتَ حربٍ في «الضَّاحية»: سِفْرُ الخروجِ وأسفارُ العودة!
نجيب العطار
لم أحملْ معي سوى حقيبةٍ واحدةٍ يومَ أُخْرِجَ الجَمْعُ منَ «الضَّاحية»؛ يومَ التَّهديدِ الكبير. حقيبةٌ واحدةٌ لم تتَّسِعْ لحَمْلِ الأُمنيةِ الأولى: لو أنِّي أستطيعُ أنْ أحشُرَ هذا البيتَ في هذه الحقيبة! أُمنيةٌ طفوليَّةٌ بعضَ الشَّيءِ. لعلَّ الطِّفلَ الذي كُنتُه قد بُعثَ من أجداثِ ذاكرتي، أو لعلَّه الإنسانُ يتصاغرُ أمامَ الحرب حتَّى يعودَ طِفلًا يخافُ من كُلِّ شيءٍ ويُقدِمُ على كُلِّ خطر!
أيضاً للكاتب/ة
26・03・2026
شيعةُ «حزب الله» والهِجرةُ إلى التَّاريخ: سردية وبودكاست ووَعْدٌ بـ «نكبةٍ» جديدةٍ!
نجيب العطار
في خطٍّ موازٍ للهجرة الجماعية إلى التاريخ، التي نراها في مناسبات يغلب عليها البُعد الوجداني والعاطفي، نرى زيادةً في اهتمام مجتمع «حزب الله» بتاريخ الشِّيعة في لبنان، وهو اهتمامٌ كان موجودًا لكنَّه لم يكن ملحوظًا قبل الحرب الأخيرة.
26・03・2026
شيعةُ «حزب الله» والهِجرةُ إلى التَّاريخ: سردية وبودكاست ووَعْدٌ بـ «نكبةٍ» جديدةٍ!
نجيب العطار
في خطٍّ موازٍ للهجرة الجماعية إلى التاريخ، التي نراها في مناسبات يغلب عليها البُعد الوجداني والعاطفي، نرى زيادةً في اهتمام مجتمع «حزب الله» بتاريخ الشِّيعة في لبنان، وهو اهتمامٌ كان موجودًا لكنَّه لم يكن ملحوظًا قبل الحرب الأخيرة.
20・03・2026
ذاتَ حربٍ في «الضَّاحية»: سِفْرُ الخروجِ وأسفارُ العودة!
نجيب العطار
لم أحملْ معي سوى حقيبةٍ واحدةٍ يومَ أُخْرِجَ الجَمْعُ منَ «الضَّاحية»؛ يومَ التَّهديدِ الكبير. حقيبةٌ واحدةٌ لم تتَّسِعْ لحَمْلِ الأُمنيةِ الأولى: لو أنِّي أستطيعُ أنْ أحشُرَ هذا البيتَ في هذه الحقيبة! أُمنيةٌ طفوليَّةٌ بعضَ الشَّيءِ. لعلَّ الطِّفلَ الذي كُنتُه قد بُعثَ من أجداثِ ذاكرتي، أو لعلَّه الإنسانُ يتصاغرُ أمامَ الحرب حتَّى يعودَ طِفلًا يخافُ من كُلِّ شيءٍ ويُقدِمُ على كُلِّ خطر!