03・10・2023
من العدد ٥
«الشّيعة في شعائرهم وثقافتهم وتقاليدهم: سيادة التسييس الشامل»

تستكمل «أمم للتوثيق والأبحاث» نشرَ مجموعة أبحاثها في إطار مشروع «تواريخُ مُتَقاطعَة. حِصة الشّيعة منها في لبنان» وتعرض بحث الاجتماع الشّيعي المعنون «الشّيعة في شعائرهم وثقافتهم وتقاليدهم: سيادة التسييس الشامل». في ما يلي نعرض ملخّصًا عنه وعرضًا لأهمّ محطّاته:

إنَّ موضوعَ عِلم الاجتماع يقومُ على دراسةِ المجتمعِ الإنساني في ظواهرِه الجماعيَّة المُعقَّدَة وبُنيتِه المُترابِطَة والعَلاقات القائمةِ فيه، للوصول إلى فَهمِ الوظيفة التي تؤدِّيها تلك العناوين. وحدودُ هذا العِلْم واسعةٌ وتشملُ الكثيرَ من العناوين، منها الشَّعائر والطُّقوس الدِّينيَّة، الحركة الثقافيَّة والعادات والتقاليد والمَظهَر الخارجي، وهذا ما يتناوله البحث.

إنَّ الشَّعائرَ والطُّقوسَ الدِّينيَّة عند شيعة لبنان تُمثِّلُ جَوهرَ الدِّين لديهم وتَضمَنُ اتصالَ أفرادِهم وجماعاتِهم مع المُقدَّس، وهي أيضًا تَعكِسُ هويَّةَ مجتمعِهم وتحافظُ عليه من خلال التَّكرار الجَماعي للسلوك الذي يَضْمنُ استمراريَّة الماضي لديهم. أمّا الحركةُ الثقافيَّة عندَهم فهي في مختلف الجوانب الأدبيَّة والشِّعريَّة والفَنّيَّة وغيرها، وتُفضي إلى نتاجٍ معرفي مُتَخصِّص يَتـرك أثرَه في مجتمعاتِهم وخارجها ويُمايِزُهم ثقافيًّا واجتماعيًّا عن غيرِهم. أمّا العاداتُ والتقاليد لديهم فهي صورةٌ من مظاهرِ السُّلوك الاجتماعي التي تتـرسَّخ مع الوقت فتَعكسُ نمطيَّةً مُعيَّـنة، وبات قسمٌ منها يأخذُ جانبًا رسميًّا يُعبِّـر عن انتمائِهم وهويَّتِهم الاجتماعيَّة الدِّينيَّة. وبخصوص اللِّباس، وبرُغمِ كونِه حاجةً أساسيَّة مُشتركة لسائر المجموعات البشريَّة، إلَّا أنَّ التمايُزاتِ الذاتيَّة في مختلف المجالات، كانت تَنعكسُ في نوعِه وشَكلِه وحدودِه، فبات أحيانًا يُعرِّف الأفراد والجماعات الشِّيعيَّة ويُعبِّر عن الهويَّة المذهبيَّة في المجتمعات المُتنوِّعَة. 

ولدراسة هذه العناوين داخل المجتمع الشِّيعي اللبناني وعرض نشأتِها وتَطوُّرِها التاريخي وتحليلها وَصْفِيًّا في مختلف الحِقَبِ الزمنيَّة، كان هذا البحث الذي يُغطِّي إطارُه المكاني بالأَصالةِ، الجغرافيا اللبنانيَّة التي يتواجد الشِّيعةُ فيها، مع العروج أحيانًا على جغرافياتٍ أخرى في المنطقة. أما إطاره الزَّماني، فيشملُ المرحلةَ من القرن العاشر الميلادي، العصر الذهبي للتشيُّع، إلى يومنا الحالي.

وقد توزَّع البحثُ على مقدِّمةٍ وثلاثة فصول وخاتمة:

غَطَّى الفصلُ الأول الشَّعائرَ والطُّقوس الشِّيعيَّة العديدة، مع التركيز على عاشُوراء كنموذج، لِما لها من قُوَّةِ عَكْسٍ كبيرة للهويَّة الشِّيعيَّة، فعرضَ تاريخ إحْياءاتِها انطلاقًا من العَصر الذَّهبي للتشيُّع في القرن العاشر الميلادي وُصولًا إلى اليوم، مع دراستِها وتَوْصيفِ واقِعِها خلال كلِّ حِقبة. كما تناول التوظيفاتِ السِّياسيَّة لهذه الشَّعيرة في مختلف الأزمان وُصولًا إلى الهَيْمنَة الحزبيَّة السِّياسيَّة عليها في الفترة الحاليَّة والتي جعلت من المناسبة منظومة كاملة لصناعة الخطاب الأيديولوجي والسّياسيّ، وتضمينه شُحنات دينيَّة طائفيَّة صِداميَّة. وهذا ما ظهر في عملية تأطير الشَّعيرة وجعْلها في خدمة الخطاب السّياسيّ لـ «حزب الله»، تلك العملية التي بدأ العمل عليها بشكل مُمنْهَج منذ ثمانينات القرن الماضي. 

قَدَّمَ الفصلُ الثاني للحركة الثقافيَّة والأدبيَّة للشِّيعة مِن خلال نتاجاتِهم في الشِّعر والنَّثـر واللُّغة والفَنِّ وغير ذلك، فمرّ بمختلف اللّحظات الثقافية حيث كان للشيعة في لبنان إسهامات متعدّدة تنطلق من منطلقات ومَشارب واهتمامات مختلفة، وصولًا إلى عصرنا الحالي حيث زادَ توجيه العناوين الثقافيَّة والفكريَّة لخِدْمَة المصالِح الحزبيَّة والسِّياسيَّة والدينيَّة بشكلٍ فاقِع، بحيث باتَت تتمَوضَعُ ضمن مشروعٍ سياسيٍّ _ دينيٍّ مُتكامِل، لا تخرج الثقافة عنه بأي شكلٍ من الأشكال، إلى درجة أضْحَت معه في مختلف جوانبها خالية من أيِّ تمايُزات في المضمون والشكل والمنطلقات. 

أما الفصلُ الثالث فغطَّى العديدَ من تقاليد الشِّيعة وعاداتِهم مع إطلالةٍ على اللِّباس، مُعَـرِّجًا على التغيّرات التي طرَأتْ عليه لأسبابٍ سياسيَّة، وكذلك أحوال الأفراح والأتراح.

مقالات مشابهة
20・05・2026
جولة في رُكام الحُلم: عندما تهَرول زنزلختة القرية نحو الغياب
أكرم محمود
تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.
12・05・2026
القرى الجنوبية في ظلّ وهْم الهدنة: لم يعد الصمود ممكنًا
بهاء الحسيني العاملي
إن تجربة القرى الجنوبية في هذه الحرب قد كشفت بوضوح أن الصمود ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو نتاج توازن بين مجموعة مقوّمات. فحين تتآكل هذه المقوّمات الاقتصادية والخدماتية والصحية والتعليمية وغيرها، يصبح البقاء فوق طاقة الإنسان. وبالتالي لا يعود النزوح خيارَا، بل يصبح نتيجة طبيعية للواقع الصعب المتعثّر.
08・05・2026
العودة إلى «الضَّاحية»: «عودة» إلى انتظار «الرَّحيل»!
نجيب العطار
قبلَ قليلٍ استيقظتْ أُمِّي على صوتِ إطلاقِ نارٍ مُعتادٍ في «حيِّ السُّلّم».استيقَظتْ أُمِّي وأحسبُ أنَّ في ذهنِها صُورٌ من إطلاق النَّار الذي كان يُرافقُ التَّهديداتِ والغارات. سألَتْنا إنْ كانَ ثمَّةَ تهديدٌ ما. «ما في شي ع الأخبار؟»، بهذه العبارة. أمِّي التي لم تكن مُرتاحةً لعودتِنا إلى «الضاحية»...