
تحت وطأة الحنين، لا تعود المسافات تُقاس بالكيلومترات، بل بنبَضات القلب التي تتسارع كلما اقتربت السيارة من حدود الذاكرة. الرحلة إلى القرية اليوم ليست نزهة، بل هي اقتحام لمنطقة محرّمة، مهمة محفوفة بالمخاطر حيث يختلط فيها هدير المحرك بصوت الأنفاس المتهدّجة. تمرّ بالقرى المجاورة سريعًا، لا تنظر جانبًا، فكل تأخير هو استدراج لحدَث مفاجئ قد يقطع حبل الوصل قبل التمام.
رائحة الحرب وصمْت الشوارع
تتعثّر السيارة بحجارة تناثرت كأشلاء من جدران كانت يومًا تستر عائلات وتُخفي أسرارًا. الطريق الذي كان يضجّ بصيَحات الأطفال وسلام العابرين، صار الآن صامتًا إلّا من نحيب الريح. ما زالت رائحة الحرائق عابقة، تلتصق بالثياب وبالرئتين، كأنها ترفض أن تغادر المكان. الشوارع خالية من الحياة، لا يكسر وحشتها إلّا قطط جائعة تموء بكِسرة، أو كلاب شاردة تبحث في الركام عما يسدّ رمقها، وكأنها حراس الوفاء الأخير في زمن الهَجر.
انقباض الصدر وانفجار العواطف
مع ملامح أول مبنى في القرية، يبدأ الصدر بالانقباض. يرتسم أمامك مشهد سُريالي؛ بيوت مدمّرة تبدو كأنها وجوه بشرية صرخت ثم تجمّدت. هنا يختلط الرعب بالحزن، لكن من عمق هذا الركام، تنفجر كتلة من الأشواق. تتوسّل إلى عينيك أن تتوقف عن رصْد الدمار، لكن الذاكرة تأبى إلّا أن تُحيي الموتى:
«هذا البيت أعرفه، هنا سهرنا حتى الفجر وغزَلنا الضحكات. وهذه الطريق شهدت خطواتي الأولى في الحب... وتحت تلك الشجرة، توارينا يومًا عن عيون الناس لنتبادل وعودًا ظننّا أنها أبدية».
كل زاوية لها نكهة، وكل حجر له قصة، والرماد الذي يغطي المكان ليس إلّا غبار سنين سُرقت من أعمارنا.
الزنزلختة... الشاهدة والهاربة
وعندما تصل إلى البيت، يرتجف الوجود. هنا البيت الذي تعبت في بنائه، ذاك الحلم الذي بنَيته «بحصَة بحصَة» وشيّدته حجرًا حجرًا، على مرِّ السنين وصبْر الأيام، تراه الآن واقفًا بكرامة جريحة. في تلك اللحظة، شعرت بأن شجرة «الزنزلختة» العتيقة لم تعد ثابتة في الأرض، بل بدَت وكأنها تهَرول ناحيتي، تفتح أغصانها لتعانقني. لا أدري أهو قلبي الذي هروَل نحوها، أم أن الشجر يمتلك قلوبًا تشعر باليُتم حين يغيب أصحابها؟
هي لحظات من الوجع الصافي، تساؤلات حارقة تخنق الحنجرة: متى العودة الحقيقية؟ متى أسكن روحي الضائعة التي ترفض أن تغادر غبار الحرب؟
خاتمة الحلم
تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.




