.jpg)
إنها الجنائز التي لا تنتهي والمواكب التي تشقُّ صمت البقاع لتزرع في ترابه غصّة لا تُمحى. تمتد الطريق من بعلبك إلى الهرمل كشريط من الوجع المعلّق فوق هامات الجبال، هناك حيث يسير الموت متبخترًا ببدلته المرقطة، يخطف شبابنا الذين ما زالوا في عمر الورد ويقتلعهم من أحضان أمهاتهم ومن بين يدَي أطفالهم ليُعيدهم إلينا جثامين باردة وصوَرًا تُعلَّق على الجدران الصامتة. وفي كل يوم نفتح فيه أعيننا نجد القائمة تطول والأسماء تتزاحم والدموع تجفّ في المآقي من فرْط هوْل المشهد.
شباب في ربيع العمر كان الأجدر بهم أن يزرعوا الأرض حبًّا وحياة، أصبحوا اليوم وقودًا لمعارك لا تنتهي وقرابين تُقدَّم على مذبح سياسات عابرة للحدود، تدفع ثمنها البيوت البقاعية من لحمها الحي ومن مستقبل أبنائها. خلْف كل شهيد قصة تُدمي القلوب وطفل لا يزال ينتظر على عتبة الدار عودة أبيه حاملًا له قطعة حلوى أو يحضنه بحنان، وأرملة شابة وجدت نفسها فجأةً تواجه غدْر الزمان ووحشة الفقْد وهي في مقتبل العمر تحمل على كتفيها حمل الجبال وترعى يتامى لا ذنب لهم سوى أن والدهم كان جنديًّا في معركة «الإسناد».
وهناك آباء وأمهات شابت شعورهم قبل الأوان وهم يوارون في الثَّرى مَن كان يُفترض أن يُواريهم في خريف العمر. فأي وجع هذا الذي يسكن قرانا؟! وأي ضمير لا يهتزّ أمام صرخات الثكالى وأنين اليتامى!؟ إنها مأساة تتكرر فصولها كل يوم حيث تتحول بعلبك - الهرمل إلى ساحة عزاء مفتوح وإلى خزّان لا ينضب من الدماء التي تُراق في سبيل أجندات إقليمية لا تلتفت إلى حجم الفجيعة التي تتركها خلفها.
فإلى متى سيظل هذا النزيف مستمرًا؟ وإلى متى سنبقى نشيّع الورود تلو الورود لخدمة مصالح غريبة عن أوجاعنا اليومية وعن حاجتنا للأمان والاستقرار؟ إن القلب لينفطر حين نرى تلك الوجوه الشابة وهي تُحمل على الأكتاف مغلّفة برايات الصمت بينما تضجّ البيوت بالعويل المكتوم وبالأسئلة التي لا يجرؤ أحد على الجهْر بها. أسئلة عن جدوى هذا الثمن الباهظ وعن ذنب هؤلاء الأطفال الذين سيكبرون وهم لا يعرفون عن آبائهم سوى صورة جامدة على الحائط، وعن ذنب الأمهات اللواتي جفّت دموعهن وهن ينظرن إلى مقاعد فارغه لن تمتلئ أبدًا.
إنها صرخة وجدانية تخرج من أعماق المعاناة، صرخة تهزّ الضمائر النائمة وتطالب بوقف هذا المسار الانتحاري. فالبقاع ليس مجرد خزان للمقاتلين بل أرض للحياة والكرامة والعيش الكريم، ومن حق أبنائه أن يحلموا بمستقبل لا ينتهي في كفن، ومن حق أطفاله أن يكبروا في ظل آبائهم لا في ظل صورهم.
كفى هدرًا لهذه الدماء الطاهرة وكفى متاجرة بمشاعر الناس وأوجاعهم. فالحزن الذي يسكن بيوتنا اليوم أكبر من أن تصفه الكلمات والوجع الذي يعصر القلوب أعمق من كل الشعارات. إننا نشيّع قطعًا من أرواحنا، ونواري في الثَّرى أحلامًا كان يُفترض أن تبني وطنًا لا أن تُهدم في سبيل مساندة لا تجلب سوى المزيد من الموت واليُتم والخراب. فهل مَن يسمع؟ وهل مَن يدرك أن خلف كل جنازة وطنًا ينزف وأمةً تُذبح من الوريد إلى الوريد في محراب الطاعة العمياء؟!





