12・05・2026
من العدد ٣٤
القرى الجنوبية في ظلّ وهْم الهدنة: لم يعد الصمود ممكنًا


مطلع شهر آذار الفائت، وبعد منتصف الليل، استفاقت الناس في الجنوب وباقي لبنان على خبر إطلاق ستة صواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه شمالي إسرائيل. لعل أكثر الناس ظنّوا وقتها أنها صواريخ مجهولة المصدر، أو صادرة من جهة فلسطينية، لكن المفاجأة كانت بإعلان «حزب الله» رسميًّا مسؤوليته عنها، الأمر الذي حدا بالسكان في مختلف المناطق وبشكل رئيسي في الجنوب والضاحية الجنوبية أن يتوهوا على وجوههم هائمين بما تيسَّر لهم حمله باتجاهات مختلفة، غارقين في زحمات سير خانقة لساعات طويلة. وقد غادر كثيرون سيرًا على الأقدام حاملين متاعهم الضرورية على ظهورهم. وقد افترش كثيرون منهم الأرصفة، ممن لم يجدوا وجُهات جاهزة في ذلك الليل الحالك، كما قصَد الكثير منهم أيضًا أماكن آمنة، خصوصًا عند أرصفة شواطئ بيروت بانتظار انبلاج الصباح. 
وبذلك بدأت جولة جديدة من الحرب المفتوحة بين «حزب الله» وإسرائيل، بعد أن أعلن الحزب فتحها ثأرًا لولِّيه الفقيه علي الخامنئي الذي كانت إسرائيل قد اغتالته قبل عدة أيام في ٢٨ شباط مع بدء الحرب على إيران، وردًّا على الواقع الذي فرضته إسرائيل لحوالى سنة وثلاثة أشهر بعد انتهاء حرب إسناد غزة السابقة. 
في هذه الحرب استهدفت إسرائيل مختلف المناطق في لبنان بما فيها بيروت والضاحية الجنوبية. وكان أعنف أيامها في ٨ نيسان في ما عُرف بالأربعاء الأسود والذي حصد أرواح حوالى ٣٥٠ شخصًا بعدما شنّت ٥٠ طائرة إسرائيلية نحو ١٠٠ غارة في ظرف دقائق قليلة على بيروت وضاحيتها الجنوبية ومناطق أخرى متفرقة من لبنان، مستهدفة في وقت الذروة بعض المناطق السكنية التي كانت تعتبر آمنة نسبيًّا، كما في بيروت وبعض مناطق جبل لبنان.
بعد حوالى الشهر ونصف الشهر من الحرب المفتوحة، وإثر مفاوضات برعاية أميركية متقاطعة مع ملف التفاوض الأميركي - الإيراني، بدأت في منتصف ليل ١٦ - ١٧ نيسان الهدنة ودخلت حيِّز التنفيذ. هدنة بدأت مع وجود حزام جغرافي، جنوبًا، مطوَّق بخط أصفر ورازح تحت الاحتلال الإسرائيلي. وهذا الخط لم يكتفِ بضمّ قرى في جنوب نهر الليطاني، بل شمل أيضًا أقسامًا كبيرة من قرى شمال هذا النهر، كأرنون ويحمر الشقيف وزوطر الشرقية.
لم تكن الهدنة هدنةً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كانت شكلًا جديدًا مختلفًا من القتال عما كان عليه الوضع قبلها. فالهدنة بمعناها الحقيقي تعني وقف الأعمال العدائية خلال الحرب بين الأطراف المتنازعة، أي وقفها لفترة زمنية دون أن يعني ذلك نهاية الحرب، وهذا ما لم يحصل هنا. وهكذا، وتحت عنوان الهدنة المزعومة، حُصِرت الحرب في الجنوب، وبشكل رئيسي نسبيًّا في المنطقة الممتدة من الحدود إلى منطقة نهر الزهراني. وقد تعدّتها أحيانًا من خلال موجات غارات استهدفت مرتفعات إقليم التفاح وقُراه.
إذًا، رأينا أن أحد أهم مقوّمات الهدنة المفترضة لم يُبصر النور، وهو المقوّم العسكري والأمني. ولذلك ومع إطلاق خبر هذه الهدنة، طلب «حزب الله» و«حركة أمل» من الناس التريّث بخصوص العودة، الأمر الذي لم يتجاوب معه كثيرون من النازحين لحاجتهم للعودة إلى مدنهم وقراهم نتيجة المرارة التي عانوها خلال نزوحهم، خصوصًا وأن كثيرين منهم كانوا في مراكز إيواء وفي ظلِّ جوٍّ غير مريح جسديًّا ونفسيًّا. كذلك لا يُخفى أن كثيرين ممن كانوا استأجروا منازل كانوا قد استُنزِفوا ماليًّا.
لكن بالنسبة لهؤلاء العائدين، وكما يقول المثل، لم تكن حسابات الحقل مطابقة لحسابات البيدر. فلم تمضِ عدة أيام حتى اكتشف الجميع أن الهدنة ليست هدنة، بل حرب مشروطة تتقمّص رداء الهدنة. عاد قسم من هؤلاء الناس إلى أماكن نزوحهم مجدّدًا، وبقي آخرون ممن هم خارج قرى التماس مع الخط الأصفر التي تعتبر شبه خالية مدنيًّا متأمّلين خوض صراع البقاء رغم صواريخ وقذائف الموت اليومية، ورغم الخوف المستمر وانعدام الأمان وضبابية القادم من الأحداث. لكن مجدّدًا خابت الحسابات. فحتى مع القبول بما ذُكِر نتيجة استمرار الحرب، وجد هؤلاء الناس أنفسهم أمام عوائقَ أخرى تَحول دون صمودهم في مدنهم وقراهم. فمنظومة مقوّمات البقاء الواقعية في كثير منها باتت متآكلة أو معدومة بشكل كبير، والنتيجة الحتمية لذلك كانت النزوح مجدّدًا.
أولى المقوّمات الضرورية هذه هي الاقتصادية. فبدون مصدر دخل لا يمكن الاستمرار، خصوصًا وأن النشاط الاقتصادي هناك شبه معدوم. فلا فُرص عمل محلية (زراعة، مهن، خدمات) ولا إمكانية لتصريف إنتاج إن وُجد. وكذلك فإن الوضع صعب على صعيد الالتحاق بالوظائف بسبب صعوبة التحركات وخطورتها.
ثاني المقوّمات هي الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن من كهرباء وماء وطرق مواصلات وخدمات وتواصل ومحروقات ومواد غذائية. وهي تعتبر من الضروريات اللازمة لأجل البقاء. فالكهرباء الرسمية تضرَّر قسم كبير منها ولا إمكانية لإصلاح معظمها. وتلك الخاصة بالمولدات تضرَّر قسم كبير منها أيضًا. وما سلِم من هذه المولدات عانى من صعوبة إيصال المحروقات لها في الكثير من المناطق. بقي أن هناك من يعتمد على ألواح الطاقة الشمسية، خاصة التي لم تتضرر بفعل الحرب. فهؤلاء وضعهم أفضل من غيرهم. وأما المياه فتفتقد لها الكثير من القرى نتيجة سقوط بعض القرى المتضمنة لمحطات التشغيل تحت السيطرة الإسرائيلية (الطيبة والوزاني مثلًا)، أو بسبب ضرب خطوطها، أو نتيجة غياب الموظفين المسؤولين عن تلك الخدمات. وفي ما يرتبط بطرق المواصلات، فقد بات قسم منها عُرضة للمخاطر وأخرى غير صالحة للسير عليها. وينطبق نفس الأمر على وضع خدمة المواصلات التي ندرت إلى درجة كبيرة. وليس وضع خدمة الإنترنت بأحسن حالًا، وكذلك هو حال تغطية خطوط الهاتف نتيجة ضرب عواميد الشركات الخاصة أو نتيجة التشويش. وبخصوص المواد الغذائية والمحروقات، فقسم كبير من المحلات قد دُمِّر. وإن كانت هناك إمكانية لتعويض ذلك في القرى الخلفية، فإن الوضع ليس بهذه السهولة كلما اقتربنا من قرى الخط الأصفر. فإسرائيل، وخصوصًا بعد إنذاراتها باتت تستهدف كل تحرك تراه في القرى المنذَرة وعلى الطرقات المؤدّية إليها. وقد دفع عدد كبير من المدنيّين حياتهم بسبب ذلك.
ثالث المقوّمات هي تلك الخاصة بالرعاية الصحية. وهذا الوضع ليس هو فقط أحد الموانع من العودة إلى القرى، بل كان سببًا إضافيًّا لنزوح مَن كانوا قد قرروا سابقًا البقاء في قراهم. فكثيرون من الناس يحتاجون لرعاية دائمة، سواء من خلال طبابة منزلية مزمنة أو الحاجة المتكررة إلى مراكز صحية  ومستوصفات. وكذلك لا غنى عن الحاجة إلى الصيديات لتوفير الأدوية، والتي أغلق الكثير منها. وهكذا كان توقف خدمات الكثير مما ذكرناه، وصعوبة التنقل لأجل نَيل الرعاية والخدمات في أماكن أخرى بعيدة نظرًا لوجود مخاطر التنقل، قد كان أحد العوائق أمام العودة.
رابع المقوّمات هو التعليم. صحيح أن التعليم قد توقف حضوريًّا في المدارس الجنوبية، إلّا أن كثيرًا منها قد عَزَف عنه إلى التعليم عن بُعد، تعليم الـ«أون لاين». وهذه الميزة هي أسهل على التلامذة في أماكن النزوح مهما كانت الصعوبات، أولًا لإمكانية توفر خدمة الإنترنت؛ وثانيًا للجو الأكثر أمنًا وهدوءًا من ذلك الموجود جنوبًا في ظلِّ العنف المتصاعد بشكل يومي.
خامس المقوّمات وآخرها هو غياب البدائل. فالبلديات في كثير من هذه القرى غائبة عن السمع، أو تعمل بقدرات محدودة لاعتبارات عديدة نتيجة الظروف القاهرة. وكذا هو حال الجمعيات غير الحكومية، والأمر ذاته بخصوص المبادرات المحلية الأخرى. وهذه البدائل كانت في الفترة قبل الحرب تقوم بنشاطات مساعدة لدعم الناس في قُراها. كذلك فإن النزوح الجماعي وما رافقه من مصاريف باهظة قد حدَّ من قدرة المساعدين محليًّا أو اغترابيًّا على تأمين حاجات قسم كبير من الناس.
إذًا، هذا هو الواقع في قسم كبير من قرى ومدن الجنوب اللبناني. إن الناس قد تستطيع تحمّل نقصٍ في مقوّم ضروري أو اثنين، لكن إذا زادت الأمور عن حدّها، فالبقاء يصبح من سابع المستحيلات، والنزوح سيكون هو الخيار الوحيد. وهذا ما حصل مع كثير من الناس.
إن تجربة القرى الجنوبية في هذه الحرب قد كشفت بوضوح أن الصمود ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو نتاج توازن بين مجموعة مقوّمات. فحين تتآكل هذه المقوّمات الاقتصادية والخدماتية والصحية والتعليمية وغيرها، يصبح البقاء فوق طاقة الإنسان. وبالتالي لا يعود النزوح خيارَا، بل يصبح نتيجة طبيعية للواقع الصعب المتعثّر.

مقالات مشابهة
20・05・2026
جولة في رُكام الحُلم: عندما تهَرول زنزلختة القرية نحو الغياب
أكرم محمود
تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.
08・05・2026
العودة إلى «الضَّاحية»: «عودة» إلى انتظار «الرَّحيل»!
نجيب العطار
قبلَ قليلٍ استيقظتْ أُمِّي على صوتِ إطلاقِ نارٍ مُعتادٍ في «حيِّ السُّلّم».استيقَظتْ أُمِّي وأحسبُ أنَّ في ذهنِها صُورٌ من إطلاق النَّار الذي كان يُرافقُ التَّهديداتِ والغارات. سألَتْنا إنْ كانَ ثمَّةَ تهديدٌ ما. «ما في شي ع الأخبار؟»، بهذه العبارة. أمِّي التي لم تكن مُرتاحةً لعودتِنا إلى «الضاحية»...
04・05・2026
الجنوب... حين تغدو الذاكرة وطنًا من حجرٍ وروح
أكرم محمود
ما أصعب أن تستيقظ الذاكرة على مشهدِ قرىً كاملةٍ سُوِّيَت بالأرض، وكأنَّ يدًا غريبةً امتدّت لتمحو هوية المكان وتغتصب ملامح العمران. لم تكن تلك الجدران التي سقطت مجرد سواتر إسمنتية، بل كانت الملاذ الدافئ الذي بنيتموه حجرًا حجرًا، وسقيتم أساساته بمرارة التبغ وعرق الجبين وسنوات طويلة من الحرمان. هي حكاية أجيالٍ جبلَت أعمارها في التراب لتصنع بيتًا، وحياةً، وأمانًا.
أيضاً للكاتب/ة
03・02・2026
٨ أوكتوبر.. سرديات التبرير وصياغة شرعية الحرب خارج ميزان الكلفة والمقاصد
بهاء الحسيني العاملي
ذكر علماء الأصول احتمالات على ترجيح أحد المتزاحمَين على الآخر، أحدها من حيث الملاك والمصلحة فعلًا وتركًا هو «تقديم الأهم على المهم» سواء بخصوص النفع أو دفع الضرر.
03・11・2025
الدين كشرعية للاستمرار السياسي... ولاية الفقيه في اختبار البقاء
بهاء الحسيني العاملي
إنّ ولاية الفقيه تواجه اليوم إشكالية مزدوجة. فهي من جهة تسعى إلى الحفاظ على شرعيتها الدِّينية في زمن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية العميقة، ومن جهة أخرى لتثبيت وجودها السياسي كأساس للدولة الضامنة لاستمرار بنيتها العقائدية الولائية...
03・09・2025
التكليف كغاية: بين الولاء العقائدي وانعدام المسؤولية الواقعية
بهاء الحسيني العاملي
إنّ العلاقة بين الفكر والسلوك هي علاقة تأثير وتأثّر. فالأفكار التي يحملها الإنسان ويعتقد بها تجاه نفسه والآخرين تنعكس على سلوكه، وفي ردود أفعاله. وفي نفس الوقت، فإنّ السلوك أيضًا يغيّر في الأفكار من خلال التجربة والممارسة وما ينتج عنهما على أرض الواقع.