08・05・2026
من العدد ٣٤
العودة إلى «الضَّاحية»: «عودة» إلى انتظار «الرَّحيل»!


بعدَ ستَّةٍ وأربعينَ يومًا حَمَلَ فيها المَرْءُ خوْفَه وانْتَبَذَ به مكانًا قَصِيًّا، أو غيرَ قَصِيٍّ، أُذِنَ بالعودةِ إلى «الضَّاحية» لِمَنْ شاءَ مِنَ الجَمْعِ الذي أُخرِجَ منها يومَ نُفِخَ في صُورِ الحربِ ويومَ «التَّهديد الكبير»، أو «النُّزوح الكبير» على روايةٍ أُخرى. نزوحٌ كبيرٌ لم تُقابلْه عودةٌ «كبيرةٌ» مثلُ التي كانتْ بعدَ الحربِ الأولى، إنْ جازَ اعتبارُهما حربَيْن، أولى وثانية.

كان لكُلِّ امْرِءٍ مِنَّا ما يُبرِّرُ له تريُّثَه في العودة. جُزءٌ منَ النَّاس يرى أنَّ الحربَ لم تخسرْ فُتُوَّتَها بعدُ؛ لم تزلْ قادرةً على إغواءِ مَنْ يشتهي القَتل. وجُزءٌ فقدَ ما يعودُ إليه من بيوتٍ لم تعدْ بيوتًا. جزءٌ آخر سمعَ مُناديًا يُنادي أنْ «لا تستقِرُّوا»، فأطاعَ واكتفى بأنْ «يأخذ نفَسًا» و«يطمَئنَّ قليلًا» دون مِقياسٍ يُحدِّدُ به درجةَ هذه الـ«قليلًا». وجُزءٌ ينتظرُ انتهاءَ مدَّة إيجارِ بيتِ النُّزوحِ لعلَّه بإكمالِ الشَّهرِ يُخفِّفُ من ثِقَلِ المبلغِ المدفوعِ؛ هي محاولةٌ بائسةٌ لتخفيفِ الخسائر والتَّكاليف وارتداداتِهما النَّفسيَّة. أو هي طريقةٌ ليقضي أطولَ وقتٍ مُمكنٍ بعيدًا من القلقِ المُنتظَرِ حينَ يعودُ إلى أرضِ الاستهدافاتِ المؤجَّلةِ. وربَّما ينتظرُ كي لا يَضيعَ منه البيتُ إنْ انهارَ «الهدوء» سريعًا؛ هي محاولةٌ معقولةٌ لتجنُّبِ مَشقَّةِ البحثِ عن بيتٍ للإيجار مرَّةً أُخرى.

على العموم، يُعدُّ الوقتُ المُتبقِّي لانتهاء مدَّة الإيجار عاملًا مُهمًّا في تحليل الوضعِ السِّياسيِّ من أجل تقديرِ الموقفِ والتَّصرُّف بمُقتضاه. مثلًا، إذا صادفَ أنَّ الهُدنةَ جاءتْ في أوَّل الشَّهر فهذا يعني مُتَّسَعًا للواحدِ منَّا كي يُمارسَ بأريحيَّةٍ تامَّةٍ انعدامَ ثقتِه بالعَدُوِّ الغادر، فالحسابُ مدفوعٌ سَلَفًا. لكنَّ هُدنةً في آخرِ الشَّهر قد تدفعُ بالمَرْءِ إلى الاعتقادِ بوجودِ انفراجاتٍ كُبرى ليسَ على مُستوى الكوكبِ وحسْب، بل في عُمومِ المَجرَّةِ أيضًا. طبعًا، تحصيلُ حاصلٍ أنَّ الهُدنةَ في مُنتصفِ الشَّهرِ تدفعُ إلى مُمارسةِ ترقُّبٍ قصيرِ الأمدِ حيثُ تتعادلُ المُعطياتُ وتُنتظرُ التَّطوُّرات.

وبينَ هذا وذاك، ثمَّةَ جُزءٌ يتهامَسُ بنبوءةٍ منَ النُّبوءاتِ التي تَكْثُرُ وتتناسَلُ في الحروب. مَفادُ النُّبوءةِ أنَّ حربَ العام ٢٠٠٦ كانت ٣٣ يومًا، وحربُ العام ٢٠٢٤ كانت ٦٦ يومًا وهذه الحربُ ستكونُ ٩٩ يومًا. لا شكَّ أنَّ بعضَ أصحابِ البيوتِ المُستأجَرةِ هم أكثرُ مَنْ «يؤمِنُ» بهكذا نبوءاتٍ تُدِرُّ المالَ كما يُدِرُّ البرسيمُ لبنَ البقر. على أيِّ حالٍ، تعدَّدتِ الأسبابُ وتمديدُ النُّزوحِ واحدٌ في بَلَدٍ لا يُحبُّ شيئًا كحُبِّه التَّمديدَ لأزماتِه التي تتجدَّدُ باستمرار. 

عَوْدًا على ليلِ السَّابع عشر من نيسان حينَ دخلتْ «هُدنةُ الأيَّام العشرة» المزعومةُ حيِّزَ التَّنفيذِ المزعومَ؛ في جُمهوريَّتَيِ «الضَّاحية» وبعلبك كان قومُ «يأجوج ومأجوج» يُطلقون الرَّصاصَ والقذائفَ «ابتهاجًا»، في ما يُقالُ، بوقف إطلاق النَّار. كأنَّ «الطَّبيعة» مَدَّتْ يدًا إلى جعبةِ الميثولوجيا الإسلاميَّةِ فلم تجدْ ما تَرمينا به سوى مشهدٍ من «آخر الزَّمان»، عشيَّةَ قيامِ السَّاعة، حيثُ يُطلِقُ قومُ «يأجوج ومأجوج» سهامَهم إلى السَّماء، بعدَ أن عاثوا في الأرضِ قتلًا وفسادًا، فتعودُ السِّهامُ مُلطَّخةً بالدَّم فيقولُ قائلٌ منهم: «قهرْنا أهلَ الأرضِ وعَلَوْنا أهلَ السَّماء». الفارقُ الوحيدُ أنَّ الرَّصاصَ لم ينزل مُلطَّخًا بالدَّم، بل تلطَّخَ بعد أنْ سقطَ وأُخرِجَ من كتفِ هذا وقدمِ ذاك. وبينما تُختَتمُ فعالياتُ الجنونِ هذا، استمرَّ النَّاسُ في تناهُشِ الفضل بإنجاز «وقف إطلاق النَّار» كالضِّباعِ التي تتناهشُ جيفةً مُرَّةً ثُمَّ تتركُها بعدَ تعرُّفِ طعمَها. واستمرَّ المَحْو قتلًا وتدميرًا في جنوبي لُبنان الذي صارَ جنوبَيْن أحدُهما غيرُ مشمولٍ بـ«الهُدنة»!

يومَ الجُمعةِ، الرَّابع والعشرين من نيسان، أُعلِنَ عن تمديد «وقف إطلاق النَّار» لثلاثةِ أسابيعَ، فقرَّرنا العودة إلى «الضَّاحية» التي كانتْ أرضَنا المُحرَّمةَ علينا طيلةَ أيَّامِ التِّيه المُمتدَّةِ منذ الخامس من آذار. نقلتُ القسمَ الأكبرَ من الأمتعةِ يومَ السَّبتِ وبقيَ قليلٌ سنأخذُه معنا، أنا وعائلتي، في عودتِنا المُقرَّرةِ صباح اليوم التَّالي؛ الأحد. لكن، مرَّةً أُخرى مدَّدْنا نزوحَنا يومًا إضافيًّا لننظرَ في أمرِ تصريح مكتب رئيس وزراء «الوحش»، بنيامين نتنياهو، بإصداره أوامرَ بـ«مهاجمة أهداف لـ"حزب الله" بقوة في لبنان». أَشْكَلَتْ علينا هذه الـ«لبنان»؛ أيَّ لُبنانٍ يقصُد؟ طبعًا كان أوَّلُ ما فكَّرتُ به عندَ استحضار احتمال عَوْدة الحرب الشَّاملة هو الأمتعةُ التي نقلتُها إلى «الضَّاحية». تساءلتُ إنْ كان قد بقيَ معنا من الأشياءِ ما يكفي إلى يومٍ تُتاحُ فيه استعادةُ الأمتعة المنقولة. الأمرُ يحتاجُ إلى نصف ساعةٍ من الهدوء لتنفيذ عملية «كوماندوس» سريعة. فقد اكتسبتُ، كغيري من أبناء هذه الطَّائفة، خبرةً معقولةً في نقل الأمتعةِ من البيت إلى السيَّارة والمُغادرة في وقتٍ قياسيٍّ. الحمدُ لله، لم ترجَعْ هذه الطائفة إلى «عتَّالين عَ البور». صرنا «عتَّالين ع درج البيت». طبعًا الكرامة محفوظة، فكُلُّ واحدٍ منَّا «عتَّال» عندَ نفسِه! على أيِّ حال، كُنَّا أحسنَ حالًا من غيرِنا إذْ كُنَّا نملكُ ترَفَ تمديدِ النُّزوح يومًا إضافيًّا بعكسِ مَنِ اضطُّرَّ إلى النُّزوحِ مُجدَّدًا بعدَ التَّصريح اللَّعين!

يومَ الاثنين انطلقنا إلى «الضَّاحية» بعد قناعةٍ هشَّةٍ بأنَّ الحربَ حتَّى الآن محصورةٌ في جنوب لُبنان الجنوبي! حين دخلنا بيروت الإدارية قادِمينَ مِنَ المَتن انضمَّ إليْنا صوتُ الطَّائراتِ الإسرائيليَّةِ المُسيَّرة. عرضٌ جويٌّ للاستقبال. لسنا أقلَّ شأنًا منَ الملوكِ والرُّؤساءِ الذين يُستقبَلونَ بعروضٍ جوِّيَّة. بهذه السَّخافةِ حاولتُ نَزْعَ الصِّفةِ الحربيَّةِ عن المُسيَّراتِ وإخراجَها من جوِّ الحربِ الضَّاغطِ. لكن كيف أُخرجُ مشاهدَ النَّازحين، عندَ تُخوم «الضَّاحية»، الذين أقاموا خيامَهم على طول الحائط الغربيِّ لقصر الصَّنوبر والجانب المُقابل له، باتِّجاه مستديرة الطَّيُّونة، وأقاموا ما يُشبه «الإكسبرس» وبسطةٍ أو اثنتَيْن لبيعِ العصير، وحولَهم، سيَّاراتُ بعضِهم مركونةٌ عندَ اليمين وعندَ اليسار؟ أتركُ للقارئ أنْ يُجيبَ عن هذا، وأنْ يُفسِّرَ أيضًا الصُّورةَ التَّالية كما يُريد: نازحون من «الضَّاحية» إلى حائط قصر الصَّنوبر الذي أُعلِنَ منه عن قيام دولة «لُبنان الكبير» عام ١٩٢٠.

توجَّهتُ من الطَّيُّونة إلى حيِّ السُّلّم؛ أحد أتعَس أحياء البروليتاريا الشِّيعيَّة والذي كانت له حصَّةٌ كبيرةٌ هذه المرَّة من مجازرِ يوم «الأربعاء الأسود». على طولِ الطَّريق كانت تتناهى إلى ذهني مشاهدُ الغاراتِ التي كنتُ أُشاهدُها من مكان نزوحي، فكنتُ أحاولُ أنْ أُحدِّدَ المقطعَ الخاصّ بكُلِّ بناءٍ مُدمَّرٍ أمرُّ به. نجحتُ في بعضِها واستطعتُ التَّنبُّؤ بموضِعَيْ غارتَيْن قبل الوصولِ إليهما. ونجحتُ، طبعًا، في فَرْزِ الدَّمارِ بين جديدٍ وقديمٍ. كانتِ «الضَّاحية» غريبةً عن نفسِها وعن صورتِها التي كانتْ عليها قبلَ الحرب. كانت مليئةً بالنَّاس لكنَّها كانت فارغة. بحثْتُ كثيرًا عن زحمةِ سيرٍ تؤخِّرُني بضعَ دقائق؛ عن أحدٍ يعبرُ الطَّريقَ دون التفاتٍ إلى السَّيَّاراتِ القادمة؛ عن فرحةِ العودةِ في الوجوه التي غادَرتْ خائفةً مُتعَبةً؛ عن عربةٍ مُتنقِّلةٍ يقودُها أحدُ الباعة. لم أجدْ شيئًا من كُلِّ هذا. والهواءُ كان حَذِرًا في دخولِه إلى رئتَيَّ كما كُنتُ حَذِرًا في تجنُّبِ المرورِ قُربَ أبنيةٍ مُهدَّدةٍ بتساقُطِ بعضُ أشلائها. كان المدى ثقيلًا لا يُطيقُ التَّرحيبَ بأحدٍ ولا توديعَ أحد. حتَّى الدَّرَّاجات النَّاريَّة كانت هادئةً على غيرِ عادتِها يومَ كانتْ تقفزُ كالشَّياطين منَ اللَّامكان. ورغمَ وجودِ النَّاس والمحالِّ المفتوحةِ لم يكُن في وُسْعِي ألَّا أكونَ «كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا»!

كنتُ أُفكِّرُ في أنَّ هذه الحربَ ستنغرسُ في الذَّاكرةِ الجماعيَّةِ لهذه الطَّائفةِ كما انغرستِ «المجاعة» في ذاكرةِ سكَّان جبل لبنان. منذُ بدايةِ الحرب عام ٢٠٢٣ سمعتُ الكثيرَ منْ مخاوفِ النَّاسِ المُستهدَفين بهذه الحرب بشكلٍ مباشرٍ، أي سُكَّان الجنوب و«الضَّاحية» والبقاع: الإبادة، الموت، خسارة كل شيء، التِّيه، الضَّياع، التَّهجير، النُّزوح، الفَقر، ارتفاع الأسعار... لكنِّي لم أسمعْ كلمة «المجاعة» إلَّا من أهل جبل لُبنان حيث نزحتُ. وأظنُّ أنَّ هذه الحربَ ستُنتِجُ، في وقتٍ لاحقٍ، كلمةً لن يسمعَها أحدٌ إلَّا من أهل هذه الطَّائفة، كالمجاعة تمامًا. كلمةً تستوعبُ كُلَّ هذا الموتِ والدَّمار؛ كُلَّ هذا القهرِ والألمِ والفَقدِ. ربَّما تكونُ الكلمةُ هذه هي كلمةُ «الحرب» نفسَها، وربَّما تكون «النُّزوح» أو «التَّهجير» أو غير ذلك. لم تنتهِ الحربُ بعدُ ولم نعرفْ بعدُ حجمَ الألمِ الذي سنبحثُ له عن كلمةٍ تستوعبُه!

بهذه الأفكار التي كانتْ تتَناهى إلى ذهني وصلتُ إلى «بيتِنا» في حيِّ السُّلُّم في وقتٍ قياسيٍّ نِسبيًّا. عدتُ إلى بيتي بعدَ عشرة أيَّام من «وقف إطلاق النَّار». عشرة أيَّامٍ لم تهزَّ العالَم، لكنَّها صدَّعتْ ذواتَنا وفتَّتَتْ فيها ما أبقَتْ عليه الحربُ! عشرة أيَّام عرِفْنا فيها أنَّ قتلَنا وتدميرَ منازِلَنا ومسحَ قُرانا لا يُسقِطُ «وقف إطلاق النَّار» ولا يُثيرُ عندَ العالَم خجَلًا من الحديث عن تثبيتِه، فضلًا عن تناهشِ الفضل بإنجازِه أو تقاذُفِ المسؤوليَّة عن ذلك!

كانَ أوَّلَ ما استقبلَني، بعدَ عربةِ بائعِ الفاكهةِ، مقذوفُ رصاصةِ كلاشْنيكوف مُتصدِّعُ الرَّأسِ بسبب ارتطامِه بالأرض. غالبًا هي منَ الرَّصاصِ الذي أُطلِقَ في حفلةِ الجنون آنفةِ الذِّكر. وربَّما تكونُ قد أُطلقتْ لشأنٍ آخر وما أكثرَ هذه الشُّؤون! أيًّا يكُن، لقد أضَفتُها إلى شظيَّةِ صاروخٍ سقطتْ قُربَ بيتِنا في القرية ذاتَ قصفٍ ليليٍّ خلال الحربِ الأولى. ما إنْ وضَعتُ الرَّصاصةَ في جيبي حتَّى سمعتُ العبارةَ الأكثر تداولًا بين سُكَّان «الضَّاحية» منذ سنتَيْن ونصف: «الحمد لله ع السلامة». تأتي في المرتبة الثانية بعدَ «العوض بسلامتك»، أو ما يُعادِلُها اصطِلاحًا. ولعلَّه مُفيدٌ أن يُوضَعَ في تقاريرِ التَّنميةِ البشريةِ مؤشِّرٌ جديدٌ يَلْحَظُ استهلاك الفرد لهاتَيْن العبارَتَيْن سنويًّا. 

«الحمد لله ع السلامة». قالَها لي بائعُ الفاكهة، فرددتُ عليه بمثلِها: «الحمد لله ع السَّلامة» وتابعتُ إنزالَ الأمتعةِ من السَّيَّارةِ، بينما تابعَ البائعُ بأنَّ «الوضع مِشّ منيح. صارلها من الصُّبح»، يقصد المسيَّرة. سمعتُ هذه العبارة حرفيًّا من الحلَّاق ولاحقًا من صاحب الدُّكَّان الذي كنتُ أشتري منه فنجان قهوة «إكسبرس» كانَ من جُملةِ المُحرَّماتِ إذْ لم يكن ثمَّةَ «إكسبرسَّات» في مكان النُّزوح. مع أوَّلِ رشفةٍ شعَرتُ أنَّ الحربَ قدِ انتهتْ فعلًا. شعورٌ انتهى قبل أن ينتهي فنجان القهوة. 

دخلتُ البيتَ وصرتُ أتنقَّلُ بين غُرَفِه الثَّلاث مرَّةً بعدَ مرَّة. أفتحُ «البرَّاد» وخزانة الكؤوس والفناجين. أُحدِّقُ في الكُتبِ التي تكالَبتْ عليها ذرَّاتُ الغُبار. كان كُلُّ شيءٍ كما تركناه. ومُذْ دخَلتُ راودني شعورٌ لم يُفارِقني بعدُ. شعورٌ غريبٌ بعضَ الشَّيء. قد يكونُ قلقًا من رحيلٍ آخرَ، أو محاولةً لاواعيةً منِّي لأمنعَ نفسي من أنْ تعتادَ الوجودَ الدَّائمَ في البيتِ قبلَ أنْ تنتهي الحربُ بشكلٍ كاملٍ؛ مُحاولةٌ لتجنُّبِ انكساراتِ النَّفسِ إذا كُتِبَ عليها النُّزوحُ مُجدَّدًا. أعترفُ أنَّ استحضارَ اللَّحظاتِ الأولى للنُّزوح يكادُ يدفعُني إلى ارتكابِ نزوحٍ استباقيٍّ لأنْجوَ من الخُروج في اللَّحظاتِ الحَرِجَة. وأعترفُ أيضًا أنَّ استحضارَ تجربةِ النُّزوحِ يخلقُ انكماشًا مَهولًا ومُخيفًا في اللُّغةِ وانكشافًا للذَّاتِ أمام مشاعرَ أقصويَّةٍ يصعبُ على مَنْ يعيشُها أنْ يُعبِّرَ عنها. ورغمَ بعض الاطمئنان الذي ينتابني، لا أُخفي أنَّ في داخلي أيضًا انعدامَ يقينٍ بأنِّي سأُكملُ كتابةَ هذا النَّصِّ. كُلُّ لحظةٍ قد تحملُ قصفًا مُفاجئًا يُعيدُ تلاوةَ الحكايةِ منَ السَّاعةِ صِفر. ظلَّ هذا الشُّعورُ مرافقًا لي منذ عَودتي إلى «الضَّاحية» حتَّى يوم أمس أول من أمس. 

الأربعاء الماضي قصفتْ «إسرائيل» حارة حريك في أوَّل غارةٍ على «الضَّاحية» منذ الأربعاء الذي اصطلحَ اللُّبنانيُّون على تسميتِه بـ«الأربعاء الأسود». مَن كان، قبل أمس الأوّل، يترقَّبُ ضربةً واحدةً وكبيرةً على «الضَّاحية» قد ارتاحَ من شعور التَّرقُّب حاليًّا. أمَّا مَن كان يترقَّبُ «عودة الضَّرَبات على الضاحية» أو «عودة الحرب الشَّاملة» فلم يزَل في ترقُّبِه وقلقِه. ما أكثرَ المُترقِّبين وما أبشَعَ القلقَ والخوفَ المُرافقَيْن لأهل هذا البلد!

قبلَ قليل أخرجتُ الحاسوب من الحقيبةِ، حقيبة النُّزوح التي أعدّتُه إليها بعد غارة أمس الأوّل. أخرجتُه كي أعيدَ صياغةَ هذا النَّصِّ بما يتناسبُ مع غارةِ أمس الأوّل وأرجو ألَّا أُضطَّرَ إلى إعادة صياغته مرَّةً أخرى، تمامًا كما أرجو ألَّا أكتبَ نصًّا جديدًا عن نزوحٍ جديدٍ. طبعًا، من نافلِ القولِ إنَّه بعدَ الغارةِ أمس أعدْنا حزْمَ الأمتعةِ من جديد. إجراءٌ احترازيٌّ بلُغةِ السفارات والقواعد العسكريَّة. أمَّا بلُغتِنا، نحن أهلَ «الضَّاحية»، فهو استعدادٌ للحظةٍ قد تطولُ وقد لا تطولُ وقد لا تأتي! هذا الاستعدادُ والاستنفارُ الدَّائمَين هُما حربٌ أُخرى لن ينجو منها أحد. أخشى أنْ تتحوَّلَ حالةُ الاستنفارِ هذه إلى ثقافةٍ لهذه الطَّائفةِ؛ ثقافةٍ نتوارثُها جيلًا إثرَ جيلٍ. أخشى أن يكونَ الاستعدادُ الدَّائمُ للهرب هو الطَّفرةُ الجينيَّةُ الجديدةُ في الجينوم الجماعي لهذه الطَّائفة. طفرةٌ قد تُكسبُها قُدرةً على أنْ تبقى، على ذمَّةِ تشارلز داروِن، لكنَّها ستُفقدُها القُدرة على أن تحيا!

على أيِّ حال، حزمنا أمتعَتنا من جديد. وغادرَ من «الضَّاحية» جمعٌ قليلٌ، أو كثيرٌ، من النَّاس. ومَن بقيَ يسألُ نفسَه: هل هذه الضَّربة تُشبه اغتيال فؤاد شكر؟ إذًا ثمَّة شهرٌ تقريبًا يفصلُنا عن جولةِ تصعيدٍ شاملة. أم هي كاغتيال قادة «الرضوان» قبل ثلاثة أيَّامٍ من الحرب الشَّاملة؟ والكُلُّ يرغبُ في أنْ تكونَ ضربةً أخيرةً؛ مُلحَقًا من صفحةً واحدة. على هذا، وفيه، يعيشُ أهلُ «الضَّاحية» منتظرينَ ما سيَرميهِم به المُستقبل. من القلقِ وإلى القلق تعودُ، يا ابن «الضَّاحية»! قبلَ قليلٍ استيقظتْ أُمِّي على صوتِ إطلاقِ نارٍ مُعتادٍ في «حيِّ السُّلّم». لا شيءَ يمنعُ أنْ يكونَ سببُ إطلاقِ النَّار بيتَ عتابا، بل لا شيءَ يمنعُ أنْ يكون بلا سبب! هكذا، لوَجه الله! استيقَظتْ أُمِّي وأحسبُ أنَّ في ذهنِها صُورٌ من إطلاق النَّار الذي كان يُرافقُ التَّهديداتِ والغارات. سألَتْنا إنْ كانَ ثمَّةَ تهديدٌ ما. «ما في شي ع الأخبار؟»، بهذه العبارة. أمِّي التي لم تكن مُرتاحةً لعودتِنا إلى «الضَّاحية». أُدركُ ما يجولُ في خاطرِها من صوَرِ الأمَّهاتِ اللَّاتي فقدنْ أبناءهنَّ. أفهمُ كُلَّ شيء. وليس في نفسي شيءٌ سوى الرَّغبةِ في أنْ ينتهي كُلُّ هذا الألَم! ينتهي وحسب، نعيشُ بعدَها أو نموت!

مقالات مشابهة
20・05・2026
جولة في رُكام الحُلم: عندما تهَرول زنزلختة القرية نحو الغياب
أكرم محمود
تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.
12・05・2026
القرى الجنوبية في ظلّ وهْم الهدنة: لم يعد الصمود ممكنًا
بهاء الحسيني العاملي
إن تجربة القرى الجنوبية في هذه الحرب قد كشفت بوضوح أن الصمود ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو نتاج توازن بين مجموعة مقوّمات. فحين تتآكل هذه المقوّمات الاقتصادية والخدماتية والصحية والتعليمية وغيرها، يصبح البقاء فوق طاقة الإنسان. وبالتالي لا يعود النزوح خيارَا، بل يصبح نتيجة طبيعية للواقع الصعب المتعثّر.
04・05・2026
الجنوب... حين تغدو الذاكرة وطنًا من حجرٍ وروح
أكرم محمود
ما أصعب أن تستيقظ الذاكرة على مشهدِ قرىً كاملةٍ سُوِّيَت بالأرض، وكأنَّ يدًا غريبةً امتدّت لتمحو هوية المكان وتغتصب ملامح العمران. لم تكن تلك الجدران التي سقطت مجرد سواتر إسمنتية، بل كانت الملاذ الدافئ الذي بنيتموه حجرًا حجرًا، وسقيتم أساساته بمرارة التبغ وعرق الجبين وسنوات طويلة من الحرمان. هي حكاية أجيالٍ جبلَت أعمارها في التراب لتصنع بيتًا، وحياةً، وأمانًا.
أيضاً للكاتب/ة
26・03・2026
شيعةُ «حزب الله» والهِجرةُ إلى التَّاريخ: سردية وبودكاست ووَعْدٌ بـ «نكبةٍ» جديدةٍ!
نجيب العطار
في خطٍّ موازٍ للهجرة الجماعية إلى التاريخ، التي نراها في مناسبات يغلب عليها البُعد الوجداني والعاطفي، نرى زيادةً في اهتمام مجتمع «حزب الله» بتاريخ الشِّيعة في لبنان، وهو اهتمامٌ كان موجودًا لكنَّه لم يكن ملحوظًا قبل الحرب الأخيرة.
26・03・2026
شيعةُ «حزب الله» والهِجرةُ إلى التَّاريخ: سردية وبودكاست ووَعْدٌ بـ «نكبةٍ» جديدةٍ!
نجيب العطار
في خطٍّ موازٍ للهجرة الجماعية إلى التاريخ، التي نراها في مناسبات يغلب عليها البُعد الوجداني والعاطفي، نرى زيادةً في اهتمام مجتمع «حزب الله» بتاريخ الشِّيعة في لبنان، وهو اهتمامٌ كان موجودًا لكنَّه لم يكن ملحوظًا قبل الحرب الأخيرة.
20・03・2026
ذاتَ حربٍ في «الضَّاحية»: سِفْرُ الخروجِ وأسفارُ العودة!
نجيب العطار
لم أحملْ معي سوى حقيبةٍ واحدةٍ يومَ أُخْرِجَ الجَمْعُ منَ «الضَّاحية»؛ يومَ التَّهديدِ الكبير. حقيبةٌ واحدةٌ لم تتَّسِعْ لحَمْلِ الأُمنيةِ الأولى: لو أنِّي أستطيعُ أنْ أحشُرَ هذا البيتَ في هذه الحقيبة! أُمنيةٌ طفوليَّةٌ بعضَ الشَّيءِ. لعلَّ الطِّفلَ الذي كُنتُه قد بُعثَ من أجداثِ ذاكرتي، أو لعلَّه الإنسانُ يتصاغرُ أمامَ الحرب حتَّى يعودَ طِفلًا يخافُ من كُلِّ شيءٍ ويُقدِمُ على كُلِّ خطر!