.jpg)
في كل مرة يُطرح فيها نقاش حول سياسات «حزب الله» وخَياراته، يُعاد توجيه الحوار عمدًا نحو ثنائية مبسّطة: مَن مع «المقاومة» ومَن ضدها! هذه المقاربة ليست مجرد تبسيط مخلٍّ، بل هي أداة سياسية وإعلامية تهدف إلى حرف النقاش عن مساره الحقيقي. فالمشكلة، بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين، لا تكمن في مبدأ المقاومة بحد ذاته، بل في كيفية استخدام هذا الشعار لتبرير احتكار القرار الوطني.
الخلاف الجوهري ليس بين مَن يؤمن بالمقاومة ومَن يعارضها، بل بين مَن يريد أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة، ومَن يبرر بقاء هذا القرار خارجها. ورغم وضوح هذه النقطة، يصرّ الخطاب المرتبط بـ«حزب الله» على تصوير أي اعتراض وكأنه رفض لفكرة المقاومة نفسها، في محاولة لوصم المعارضين بالجُبن أو الاستسلام أو حتى العمالة.
لا يكتفي هذا الخطاب بتشويه موقف الخصوم، بل يتعمّد تعميمه على مختلف مستويات الدولة والمجتمع؛ من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة، ومن القوى السياسية إلى الأفراد، كل مَن يطرح تساؤلات حول قرارات الحزب أو يدعو إلى نقاش وطني حول الاستراتيجية الدفاعية، يجد نفسه عُرضة لحملة تخوين ممنهَجة، وكأن المطالبة بدَور للدولة في اتخاذ القرارات المصيرية أصبحت موقفًا مشبوهًا بحد ذاته.
في المقابل، تُظهر الوقائع أن الحزب تجاوز الأمر إلى حدِّ اتخاذ قرارات مصيرية بشكل منفرد، من دون العودة إلى الدولة أو التشاور مع باقي المكوّنات اللبنانية؛ من التدخل العسكري في سوريا دعمًا للنظام، إلى الانخراط في ساحات إقليمية متعدّدة، وصولًا إلى قرار إسناد غزة في توقيت حساس، تتكرّر الصورة نفسها: قرارات كبرى تُتخذ خارج المؤسسات، وتُفرض نتائجها على لبنان بكل ما تحمله من كلفة سياسية واقتصادية وأمنية.
لا يمكن فصل هذا المسار عن طبيعة موقع الحزب ضمن مشروع إقليمي أوسع من لبنان، بل وأوسع من شيعة لبنان أنفسهم. فقرارات بهذا الحجم وبهذا الامتداد الجغرافي لا يمكن قراءتها فقط من زاوية المصلحة الوطنية، بل ضمن سياق ارتباطات سياسية وعقائدية تتجاوز حدود الدولة اللبنانية، ما يعمّق الإشكالية ويجعلها أبعد من مجرد نقاش داخلي.
من هنا، يكتسب موقف الحزب من مسألة الاستراتيجية الدفاعية دلالة خاصة. فعلى الرغم من طرح هذا الملف مرارًا، وفي مراحل كان فيها الحزب في موقع قوة وتحكُّم واسع بمفاصل الدولة، إلّا أنه تهرّب باستمرار من الدخول الجدّي في صياغة استراتيجية دفاعية وطنية. والسبب واضح: أي إطار وطني جامع من هذا النوع كان سيؤدّي حكمًا إلى تقييد قراره العسكري، ووضعه ضمن منظومة الدولة، وبالتالي سحب قرار الحرب والسلم من يده كجهة منفردة.
ومن جهة أخرى، يُستخدم طرح عدوانية إسرائيل كوسيلة إضافية لتشتيت النقاش. لا خلاف على أن إسرائيل دولة عدوانية، وهذا أمر خارج الجدل. لكن تحويل هذا الواقع إلى مبرر دائم لتجاوز الدولة واحتكار القرار العسكري هو تضليل للنقاش. فالسؤال الحقيقي ليس توصيف العدو، بل ما الذي نفعله نحن كدولة: كيف نحمي أنفسنا، وكيف نتجنب الانزلاق إلى صراعات مدمّرة قدَر الإمكان، خصوصًا بعد تحرير الأرض.
إن حصر الصراع في البُعد العسكري وحده، وتصوير لبنان وكأنه في حالة حرب دائمة، لم يجلب سوى المزيد من الأزمات والدمار. فبناء الدول لا يتم فقط عبر السلاح، بل عبر مؤسسات قوية، واقتصاد مستقر، ورؤية سياسية تحمي المجتمع من الانهيار. أما الإيحاء بأن لبنان، هذا البلد الصغير بإمكاناته، مسؤول وحده عن تحرير فلسطين، فهو طرح يتجاوز الواقع، ويحمّل البلاد ما لا قدرة لها على تحمّله، ويكرّس منطق العيش الدائم في الحروب.
إن الإصرار على حصر النقاش ضمن معادلة «مع أو ضد المقاومة» لا يصبّ إلّا في خانة تعطيل أي محاولة لطرح الأسئلة الحقيقية. فهو يلغي التمايز بين دعم مبدأ عام، وبين الاعتراض على آليات تطبيقه، ويحول دون الوصول إلى نقاش ناضج حول دور الدولة وحدود العمل العسكري وعلاقة لبنان بالصراعات الإقليمية.
لبنان اليوم في حاجة إلى إعادة ضبط بوصلة النقاش. ليس المطلوب الدفاع عن المقاومة كشعار أو مهاجمتها، بل الخروج من هذا الإطار الضيّق كليًّا. المطلوب هو التركيز على مسألة أساسية: لا يمكن لأي جهة، مهما كانت، أن تحتكر قرارًا بحجم الحرب والسلم، أو أن تفرض خياراتها على بلد كامل من دون مساءلة أو شراكة وطنية.
من هنا، فإن أي حوار جدّي يجب أن ينطلق من هذه القاعدة الواضحة: الخلاف ليس على «فعل المقاومة»، بل على مَن يملك قرارها، وكيف يُتخذ، ولصالح مَن. وما لم يُعترف بهذه الحقيقة، سيبقى كل نقاش مجرد إعادة إنتاج لخطاب يختزل لبنان بخيار واحد، ويُقصي كل ما عداه.


