
ما أصعب أن تستيقظ الذاكرة على مشهدِ قرىً كاملةٍ سُوِّيَت بالأرض، وكأنَّ يدًا غريبةً امتدّت لتمحو هوية المكان وتغتصب ملامح العمران. لم تكن تلك الجدران التي سقطت مجرد سواتر إسمنتية، بل كانت الملاذ الدافئ الذي بنيتموه حجرًا حجرًا، وسقيتم أساساته بمرارة التبغ وعرق الجبين وسنوات طويلة من الحرمان. هي حكاية أجيالٍ جبلَت أعمارها في التراب لتصنع بيتًا، وحياةً، وأمانًا.
بيادر العشق وعناقيد الضوء
تلك القرى التي كانت تتلألأ أضواؤها في سفوح الجنوب مثل حبّات عناقيد العنب، لم تكن مجرد تجمعات سكنية، بل كانت «مسارح» لقصص العشق البسيطة والأحلام المتواضعة. هناك، فوق البيادر التي غابت ملامحها اليوم، كبرت أحلام الشباب في تأسيس عائلة، وفي إنجاب جيلٍ يحمل الفرح لجيلٍ قادم. كانت الأرض هي المربّي، وكانت المواسم هي التقويم الحقيقي للحياة؛ حيث الكدّ والتعب لا يمنعان حلقة دبكة تهتزّ الأرض تحت أقدامها، ولا يُسكِتان صوت «المنجَيرة» الذي كان ينسلّ من بين القصب ليعبّر عن وجع الأرض وعنفوان أهلها.
أصالة «قوت اليوم» وعنفوان الفلّاح
في تلك البيوت، عاش فلّاحون بسطاء، ملكوا «القليل» من المادة لكنهم حازوا «الكثير» من السعادة. كانت البرَكة تحلّ مع جمع البيض الصباحي، وحلْب «المِعزاية» أو البقرة، وصناعة القوت كل يوم بيومه. كان للأكل طعم الأصالة، وللخبز رائحة الأرض، وللحياة استقلالٌ حقيقي ينبع من يدٍ لا تمتدّ إلّا لزرع أو حصاد. ورغم دخول التمدُّن، وارتفاع البيوت الجميلة المشيّدة بـ«دم القلب» ومدَّخرات المغتربين الذين طحنهم الشوق في بلاد الغربة، بقيت القرية وفيةًّ لروحها القديمة.
الأسواق... نبض القلوب المُداور
مَن ينسى تلك الأسواق الأسبوعية؟ سوق الثلاثاء، سوق الجمعة، وغيرهما من الأسواق التي كانت تدور بين القرى مُداورةً، كأنها نبضٌ ينتقل من جسد إلى آخر. هناك، كان التجار الصغار يفترشون الأرض مع بضائعهم، والناس يلتقون ليتبادلوا الأخبار قبل السِّلع. كانت الأسواق «عيدًا» مصغّرًا ينتظره الأطفال والكبار، ومساحةً للقاء العابر للقرى، قبل أن يعود الجميع مع غسَق المساء إلى بيوتهم، محمَّلين بالرزق وبحكايا جديدة.
الكارثة... ونبض الانبعاث
المؤلم اليوم، أننا أمام كارثة إنسانية تتجاوز هدْم الحجر؛ نحن أمام محاولة لـ«كيّ الذاكرة» ومحو إرثٍ إنساني لن تتوارثه الأجيال القادمة إذا سكَتنا. إن مشهد القرى الممسوحة مرعبٌ لا تتحمله المشاعر، والخشية من أن الجنوب «لن يعود كما كان» هي خشيةٌ مشروعة على تلك «النكهة» الفريدة التي ضاعت.
ولكن، يبقى الرهان على الإنسان الجنوبي الذي بنى من اللاشيء حضارةً من الكرامة. إن العودة ليست مجرَد سكن، بل هي فعل مقاومة بالبناء. العودة تعني أن يُبنى الحجر وتُبنى معه الذاكرة، أن يُحكى للأحفاد عن مكان كل بيدر، وعن رائحة كل دكان، وعن صدى كل زغرودة في عرسٍ قديم.
الأمل يبقى معقودًا على سواعدٍ اعتادت العطاء؛ ليعود الأبناء، وتعود الدوالي لتُظلل العتَبات، وتعود المنجَيرة لتعزف لحن البقاء... لأن الأرض التي جُبلت بعرق الجبين، لا يمكن لآلة دمار أن تمحو رائحة أهلها منها.




