
شهد شهر آذار انتقال المواجهة من مستوى الضربات الموضعية في الجنوب وأحيانًا البقاع والضاحية الضاحية ضمن ما كانت تصفه إسرائيل بـ«حرية الحركة» ضد «حزب الله» في لبنان. إلى ما يمكن توصيفه كحرب مفتوحة بين إسرائيل و«حزب الله»، مع اتساع نطاق العمليات وتعدد ساحات الاستهداف في الجنوب والضاحية والبقاع وبيروت. وقد بدأت المواجهة عمليًا بإطلاق «حزب الله» في الثاني من الشهر ستة صواريخ على شمال اسرائيل وإعلانه الدخول في المعركة ضدها، ما شكّل نقطة التحول الأساسية في مسار التصعيد.
ومع الثلث الأول من الشهر، أعلن «حزب الله» توصيفه الرسمي للمواجهة تحت اسم «معركة العصف المأكول»، في إشارة إلى انتقالها إلى مرحلة طويلة الأمد تتجاوز قواعد الاشتباك السابقة. في المقابل، صعّدت إسرائيل من خطابها العسكري والسياسي، وعملت منذ اللحظة الأولى على دمج الجبهة اللبنانية ضمن إطار أوسع أطلقت عليه «زئير الأسد»، والذي يضع المواجهة مع «حزب الله» في سياق متداخل مع المواجهة مع إيران وحلفائها في الإقليم.
على المستوى الإنساني، أسفرت العمليات العسكرية المتواصلة عن حصيلة بشرية مرتفعة، حيث أشارت تقديرات وزارة الصحة إلى سقوط نحو ١٢٦٨ قتيلاً في لبنان منذ بدء التصعيد، بينهم مقاتلون من «حزب الله» ومدنيون، إلى جانب أعداد أكبر من الجرحى، فضلاً عن موجة نزوح داخلي واسعة، خصوصًا في ظل توسع الاستهدافات الإسرائيلية التي طالت قرى وأحياء وقطاعات سكنية كاملة.
وفي هذا السياق، برزت سياسة الإنذارات الإسرائيلية كأداة ضغط ميداني، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي عبر المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي إنذارات عاجلة لسكان الضاحية الجنوبية، ولا سيما مناطق حارة حريك، الشياح، برج البراجنة، والحدث، بوجوب إخلاء منازلهم فورًا والتوجه إلى مناطق محددة. كما أعلن الجيش بدء عملية برية تهدف إلى ما درج على وصفه اسرائيليًا بـ«تطهير المنطقة الحدودية»، بعمق يُقدَّر بنحو ١٠ كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وذهب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى الإعلان عن تنفيذ ما سماه «سيناريو بيت حانون» في القرى الحدودية الجنوبية، بما يحمله ذلك من تهديد بتدمير واسع للبنية السكنية في تلك المناطق.
سياسيًا، تزامن التصعيد العسكري مع توتر داخلي إضافي عقب القرار الحكومي الصادر في ٢ آذار، والذي قضى باعتبار الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله» خارج إطار القانون، في خطوة عُدّت تحولًا في الموقف الرسمي من دوره العسكري. وقد رفض «حزب الله» القرار بشكل قاطع، وأصدر سلسلة بيانات شدد فيها على أن عملياته تستند إلى «حق الدفاع عن لبنان»، مؤكّدًا استمرار نشاطه بمعزل عن أي تصنيفات قانونية محلية.
في مقاربته العسكرية والسياسية، واصل «حزب الله» تقديم سردية تعتبر أن الحرب الحالية هي جزء من معركة أوسع ضد إسرائيل، مع فصل نسبي عن المواجهة الإقليمية المباشرة مع إيران، رغم التداخل العملي في ساحات الاشتباك. وركز خطابه على مفهومي «الردع المتبادل» و«فشل إسرائيل في فرض معادلات ميدانية حاسمة»، معتبرًا أن استمرار العمليات العسكرية يهدف إلى منع توسيع العدوان داخل الأراضي اللبنانية. كما برزت في خطابه رواية تفيد بأن الحزب منح الدولة اللبنانية فترة تقارب ١٥ شهرًا لتحريك المسار الدبلوماسي وإلزام إسرائيل بوقف خروقاتها، وأن انتقاله إلى الفعل العسكري جاء في سياق استنفاد هذا المسار واستثمار اللحظة الإقليمية.
وسائل إعلام الحزب، مثل «المنار» و«العهد» و«الأخبار»، عملت على تأطير الحرب ضمن مفهوم «الدفاع الاستباقي»، مع التركيز على أن التصعيد الإسرائيلي هو الذي وسّع نطاق المواجهة، وليس مبادرة من الحزب إلى فتح جبهات جديدة. كما جرى إبراز الربط الإسرائيلي بين لبنان وإيران بوصفه جزءًا من «توسيع الحرب لتشمل محور المقاومة».
في المقابل، حافظت «حركة أمل» على موقف داعم للحزب، مع خطاب يميل إلى ضبط الإيقاع السياسي الداخلي، محذّرة من مخاطر الانزلاق إلى احتراب أهلي، ومشددة على ضرورة الحفاظ على الاستقرار الداخلي رغم استمرار العمليات العسكرية.
أما داخل البيئة الشيعية، فقد برزت أصوات معارضة ترى أن استمرار الحرب بهذا المستوى يفرض كلفة بشرية واقتصادية متزايدة على المجتمع المحلي، وتعتبر أن ربط الساحة اللبنانية بساحات إقليمية أوسع يضاعف المخاطر. ودعت هذه المواقف إلى انهاء فكرة العمل العسكري خارج إطار الدولة والتأكيد مفهوم حماية لبنان.
على مستوى مواز صعّدت القوى المعارضة لـ«حزب الله» من خطابها، معتبرة أن ما يجري هو حرب مفتوحة تُدار ضمن حسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. وقد أعلنت هذه القوى دعمها للقرار الحكومي، فيما ذهبت بعض وسائل الإعلام، مثل «نداء الوطن»، ومواقع حزبية كـ«الكتائب»، إلى استخدام توصيفات أكثر حدّة في توصيف الحزب، كاستخدام مصطلح «عصابة الحزب» أو «الحزب المحظور» وذلك ضمن خطاب سياسي يطالب بإعادة الاعتبار لسلطة الدولة والقرارات الدولية، والعمل على تحييد لبنان عن مسارات الحروب الإقليمية.
في المحصلة، يقف لبنان أمام حرب متصاعدة بين «حزب الله» وإسرائيل على مفترق طرق إقليمي، مع تباين حاد في تفسير طبيعتها بين من يراها حربًا دفاعية ومن يعتبرها امتدادًا لصراع إقليمي أوسع. ويظهر هذا الانقسام بوضوح على المستوى الداخلي، ما ينذر بتوترات سياسية واجتماعية متزايدة. ومع استمرار العمليات العسكرية وغياب أفق سياسي واضح، يبقى احتمال توسع المواجهة قائمًا، ما يضع البلاد أمام مرحلة شديدة الحساسية سياسيًا وأمنيًا.


