
في المراحل التي تلي الحروب، لا تُقاس اللحظة بما توقّف، بل بما يُبنى عليه. والمهلة التي مُنحت للبنان لثلاثة أسابيع ليست تفصيلًا تقنيًّا، بل نافذة ضيّقة تختصر صراعًا عميقًا على هوية البلد ودوره. هي ليست استراحة، بل اختبار مكثّف هل لبنان قادر على الانتقال من ساحة إلى دولة، أم أنه سيُعاد تدويره داخل منطق الجبهات المفتوحة؟
هذه الأيام تُشبه بعضها. كل يوم يمرّ من دون تقدّم سياسي فعلي، يرفع احتمالات الانزلاق بدل أن يخفضها.
ما يميّز هذه الهدنة أنها لا تقوم على تسوية، بل على «تعليق نزاع». الفارق جوهري.
- لا اتفاق سياسيًّا واضحًا؛
- لا ضمانات متبادلة؛
- لا مرجعية تنفيذية حاسمة.
بالتالي، نحن أمام هدنة محكومة بعاملَين:
١ - الوقت كلما اقتربت النهاية من دون نتائج، زادت الهشاشة؛
٢ - الاختبار المتبادَل كل طرف يراقب الآخر أكثر مما يلتزم تجاهه.
هذا النوع من الهُدن لا ينهار دفعة واحدة، بل يتآكل تدريجيًّا، خرق صغير، ردّ محسوب، ثم تراكم يقود إلى الانفجار.
الحديث عن اتفاق سلام خلال ثلاثة أسابيع ليس فقط غير واقعي، بل قد يكون مضلّلًِا سياسيًّا.
المشكلة ليست تقنية، بل بُنيوية.
فداخليًّا لا إجماع على مفهوم السلام أصلًا، والسلاح خارج إطار الدولة لا يزال عنصرًا حاسمًا والقرار السيادي موزّع، لا مركزي.
أمّا إقليميًّا، فلبنان جزء من شبكة نزاعات، لا حالة منفصلة وأي تحوّل جذري مرتبط بتوازنات أوسع لم تنضج بعد.
وعمليًّا، فإن السلام ليس إعلانًا، بل مسار حدود، أمن، اقتصاد، اعتراف متبادل، وكلها ملفات تحتاج إلى سنوات لا إلى أيام.
الأرجح فإن الأمر ليس سلامًا، بل «إدارة نزاع محسّنة».
السيناريو الأخطر ليس قرار الحرب، بل غياب القرار.
حين تتعدّد الجهات المسلّحة وتتضارب الحسابات، تصبح الحرب نتيجة «خطأ في التقدير» لا خيارًا استراتيجيًّا.
فما يزيد الخطر هو فائض السلاح مقابل نقص القرار والبيئة المشحونة قابلة للاشتعال والأطراف تحتاج إلى «إثبات حضور».
وهنا يظهر أخطر شكل من النزاعات.
الحرب بلا هدف: حرب لا تغيّر المعادلات، لكنها تُعيد إنتاج الخسائر نفسها: دمار، استنزاف، ثم عودة إلى نقطة الصفر مع خطاب نصر متناقض مع الواقع.
هذه ليست لحظة تحسين أداء، بل لحظة تعريف دَور. فإما أن تتحوّل الدولة إلى مرجعية فعلية، أو تُكرَّس كغطاء شكلي.
لذا يكون المطلوب ليس شعارات، بل خطوات وانتقال واضح نحو احتكار القرار الأمني وتمكين فعلي للمؤسسة العسكرية سياسيًّا قبل أن يكون عسكريًّا. إطلاق مسار جدّي للاستراتيجية الدفاعية، لا إعادة تدوير نقاشاتها.
الفارق هذه المرة أن الفشل لن يُفسَّر كعجز ظرفي، بل كخيار ضمني بترك الأمور خارج الدولة.
لبنان لم يعد يحتمل حربًا جديدة هذه حقيقة شبه محسومة.
لكن الخطورة تكمن في منطق موازٍ بدأ يطلُّ برأسه: «إذا كان الانهيار قائمًا، فما الذي سنخسره؟».
هذا التفكير يحوّل الأزمة الاقتصادية من عامل ردع إلى عامل تبرير، وهو تحوّل بالغ الخطورة.
في المقابل، المجتمع الدولي يقدّم معادلة واضحة: استقرار مقابل دعم، لكن ضمن شروط تعني عمليًّا إعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة.
المجتمع اللبناني ليس موحّدًا، بل منقسم بين رغبة حقيقية بالخروج من دوامة الحروب وقابلية دائمة للتعبئة تحت الضغط.
هذا التناقض يجعل الشارع عنصرًا غير قابل للتنبؤ فقد يكون عامل تهدئة… أو وقود تصعيد.
إسرائيل تريد أمنًا مستقرًّا على حدودها، لا اتفاقًا مُكلفًا، و «حزب الله» يريد تثبيت موقعه دون خسائر استراتيجية.
لدولة اللبنانية تريد الإمساك بالملف دون امتلاك أدوات كافية، والمجتمع الدولي يريد تهدئة سريعة ضمن مسار طويل ومعقّد. ونتيجة ذلك يكون هو التقاطع على تجنّب الانفجار… من دون اتفاق على الحل.
أكثر السيناريوهات واقعية ليس السلام ولا الحرب، بل استقرار هشّ يُدار خارجيًّا، وقف إطلاق نار مضبوط، تفاهمات غير معلنة؛ و استمرار الخلل الداخلي نفسه. أو بمعنى آخر: تجميد الأزمة بدل حلّها.
في النهاية المشكلة ليست في المهلة… بل في القرار، فالأسابيع الثلاثة لن تغيّر مصير لبنان، لكنها ستكشفه. هي ليست مهلة لصنع السلام، بل مهلة للإجابة عن سؤال واحد: هل هناك إرادة حقيقية لبناء دولة؟
إذا وُجدت الإرادة، تبدأ المسارات حتى لو طال الزمن. وإذا غابت، لن تمنع أي هدنة حربًا مقبلة.
لبنان لا يقف اليوم بين خيارَين، بل أمام مفترق أخطر: إما تثبيت منطق الدولة تدريجيًّا، أو تثبيت واقع أن الدولة نفسها ليست صاحبة القرار. وفي هذه الحالة، لن تكون الحروب استثناءً…
بل القاعدة التي تتكرَّر بأشكال مختلفة.





