22・04・2026
من العدد ٣٣
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن


كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.

عصف الغبار في أرجاء الحي، وعبَق الدخان داخل المنزل، وتعالت الأصوات وصراخ الأحفاد والنساء. سارع صهري وأخي لإخلائهم من المبنى وسط بكاء شديد من الأطفال. زوجة أخي تسمَّرت في مكانها، التوى حنكها بفعل الصدمة.

أمي ثمانينية، مريضة، لا تقوى على الحراك نتيجة عدة عمليات جراحية. تدّعي إنها قوية، لكن مَن الذي يقوى على صوت الصاروخ؟ نحن بشر. مهما كابرت أمي، فمعاناتها تتضح من صوتها، وارتجاف يديها، وملامح وجهها المتجعّد، وتدهور صحتها بعد ذلك اليوم الأسود.

حين وصلت أمي إلى منطقة الشويفات القريبة، ركَن صهري السيارة. استراحة. راحوا يدخنون السجائر، وكانت أرواحهم تحترق. ثم أشعل الراديو ليموّه عن الأطفال ويُبعدهم عن الجو المأساوي، فصدَحت أغنية: «أنا في ديرة وإنت في ديرة»، وأدمعت عينا أمي بشلال من الحب وردَّدت كلام الأغنية وهي تلطم على صدرها: «أنا بديرة يا أولادي ... وينكن الله يحميكن بحق الحسين وستّنا فاطمة». 

إنهم الآن بأمان. بدأت بتعداد أفراد العائلة: عائلتها وأحفادها، بناتها وشبابها. لدى أمي عشرة أطفال، نعم، ما زالوا أطفالًا. بدأت تفكر بكل واحد منهم: الأول في الجيش، الثاني في الدرك، الثالث «مقطوعة أخباره»، الرابع هرب على «الموتسيك إلى خلدة»، الخامس في عرمون، السادس في زحلة... السابع! أين السابع؟ لماذا هاتفه الخليوي مغلق؟

طفلتها الصغيرة معها، أقصد ابنتها، أقصد ابنتها الصغرى. أما ابنتها الوسطى ففي بعلبك، في قرية زوجها، وابنتها الكبرى في القرية، مسقط رأس العائلة. الآن تعداد الأحفاد الكبار. اتسع فكرها في تلك اللحظة. حاولت أن تُمسك خيوط العائلة كلها، أن تجمع أغصان الشجرة جميعها في لحظة واحدة، أن تتأكد أن لا غصن انقطع من هذه الشجرة وتهاوى تحت التراب. اتصلت بجميع أفراد العائلة، ولم تهدأ قبل أن يجيب الجميع.

بدأت تحتسب المسألة، بدءًا من الشويفات، مكان تواجدها، مرورًا بخلدة، وصولًا إلى عرمون، ثم إلى زحلة، فبعلبك، فالقرية، إلى الثكنة العسكرية، ومخفر الدرك، ثم أصهرتها ومكان تواجد بناتها. هاتفها بيَدها، تقول لأختي الصغيرة: اتصلي بأخيكِ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع... حتى تنتهي اللائحة.

شاهدتُ مقطعًا لطائرةٍ مسيّرة تنقضّ على مقاتلٍ في جنوبي لبنان. لم أرَ فيه سوى إنسانٍ يرفع كفّيه إلى وجهه، كأنّه يحاول أن لا يرى الموت أمام عينيه في ثوانيه الأخيرة. صورةٌ واحدة، كفيلة بأن تبقى. أن تسكن ذاكرة أمٍّ، وأن تلاحقها كلما أغمضت عينيها. خفت، خفت ودعوت: «يا رب أرجوك ألّا تذوق أمي مرارة مشاهدة فيديو كهذا لأحد أطفالها».

كيف يمكن لمشهدٍ واحدٍ أن يوثّق مقتل ابن، وأن يعلَق في الذاكرة كشوكةٍ لا تُنزع، فيدمّر عائلة، ويقتل الأمهات مرّةً، ثم مرّتين، ثم مرّات لا تُحصى. لم يعد الموت لحظةً عابرة، بل صار قابلًا للإعادة. يُستعاد بكبسة زِر، ويُعاد عرضه، فتُعاد معه الرجفة ذاتها، والصوت ذاته، والعجز ذاته.

أيّ عدلٍ هذا الذي يترك للأمّ أن ترى موت ابنها، لا مرّةً واحدة، بل كلّما عادت إلى ذلك المشهد؟ وأيّ قسوةٍ هذه التي تجعل الفقْد قابلًا للتكرار، كأنّ الموت لا يكفيه أن يحدث مرة واحدة، فيصرّ على أن يُعاد؟

وأمام هذا كله، لا يعود نشر هذه المشاهد تفصيلًا. بل يصبح اعتداءً آخر، مكمّلًا للقتل نفسه. كأنّ موت الابن لا يكفي، فيُضاف إليه تعميم موته، وتكراره، وإهداؤه قسرًا إلى عيون أمّه. من هنا، تعدُّ الدعوة إلى تجريم نشر هذه الفيديوهات مطلبًا سياسيًّا وأخلاقيًّا، ومحاولةً لحماية ما تبقّى من إنسانيةٍ في قلب أمّ، ومن حقّها البسيط في «أن تفقد ابنها مرّةً واحدة فقط».

 

 

مقالات مشابهة
20・05・2026
جولة في رُكام الحُلم: عندما تهَرول زنزلختة القرية نحو الغياب
أكرم محمود
تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.
12・05・2026
القرى الجنوبية في ظلّ وهْم الهدنة: لم يعد الصمود ممكنًا
بهاء الحسيني العاملي
إن تجربة القرى الجنوبية في هذه الحرب قد كشفت بوضوح أن الصمود ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو نتاج توازن بين مجموعة مقوّمات. فحين تتآكل هذه المقوّمات الاقتصادية والخدماتية والصحية والتعليمية وغيرها، يصبح البقاء فوق طاقة الإنسان. وبالتالي لا يعود النزوح خيارَا، بل يصبح نتيجة طبيعية للواقع الصعب المتعثّر.
08・05・2026
العودة إلى «الضَّاحية»: «عودة» إلى انتظار «الرَّحيل»!
نجيب العطار
قبلَ قليلٍ استيقظتْ أُمِّي على صوتِ إطلاقِ نارٍ مُعتادٍ في «حيِّ السُّلّم».استيقَظتْ أُمِّي وأحسبُ أنَّ في ذهنِها صُورٌ من إطلاق النَّار الذي كان يُرافقُ التَّهديداتِ والغارات. سألَتْنا إنْ كانَ ثمَّةَ تهديدٌ ما. «ما في شي ع الأخبار؟»، بهذه العبارة. أمِّي التي لم تكن مُرتاحةً لعودتِنا إلى «الضاحية»...